الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

64

نفحات القرآن

الإلهيّة المطلقة على الأموال والأنفس وكلّ شؤون الحياة الإنسانية ، أو الحكومة الظاهرية والباطنية على الأرواح والأنفس عن طريق التربية الظاهرية والباطنية لإيصال الناس إلى الكمال المطلوب بإذنه تعالى ، وعدم الاقتصار على رسم الطريق فحسب ، والذي يعدّ من مهام كلّ الأنبياء . على أيّة حال فإنّه مقام يفوق النبوّة ، ولم ينله إلّاالبعض من الأنبياء فقط . وامّا فيما يتعلّق بالموضوع الثالث وهو طلب إبراهيم هذا المقام لبعض أولاده ، وسماعه الجواب في الحال من أنّ هذا المقام هو نوع من التعهّد الإلهي لا يناله الظالمون ، فالكلام فيه يدور حول المراد من « الظالم » معنىً ومفهوماً . يجب معرفة ما المراد بالظالم ؟ هل هو فقط ذلك الشخص الموصوف بهذه الصفة فعلًا ؟ مع أنّه يستبعد جدّاً بل يستحيل أن يطلب إبراهيم عليه السلام مثل هذا الطلب للظلمة من ذرّيته خصوصاً بعد اجتيازه لكلّ تلك الإختبارات الصعبة وشموله بمثل تلك العناية ، هذا الشيء غير معقول أبداً سواء كان هذا الظلم بمعني الكفر كما يصرّح بذلك القرآن الكريم : « إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ » . ( لقمان / 13 ) أو بمعناه الواسع الشامل لكل أنواع الفسق والفجور والمعصية . وبناءً على هذا فالمراد ب « الظالم » هنا هو ذلك الشخص الموصوف بتلك الصفة ولو للحظة واحدة طول عمره مهما انقضى على تلك اللحظة من مدّة ، فان مثل هذا المصداق بحاجة إلى بيان . وفي الحقيقة إنّ اللَّه تعالى أراد ببيانه هذا إيقاف إبراهيم على هذه الحقيقة ، وهي أنّ مقام الإمامة رفيع بدرجة لا يناله إلّااولئك الذين يليقون لهذه ( النعمة ) العظيمة المنزّهون عن كلّ أنواع الظلم والشرك والكفر والمعصية ، وبعبارة أخرى ، المعصومون . ولذا يقول الفخر الرازي حين يصل إلى تفسير الآية المذكورة : « هذه الآية تدلّ على عصمة الأنبياء من وجهين : الأوّل : إنّه قد ثبت أنّ المراد من هذه العصمة : الإمامة ، ولا شكّ أنّ كلّ نبي إمام ، فانّ الإمام هو الذي يؤتمّ به ، والنبي أولى الناس بذلك ، وإذا دلّت الآية على أنّ الإمام لا يكون فاسقاً ،