الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

65

نفحات القرآن

فإنّها تدلّ على أنّ الرسول لا يجوز أن يكون فاسقاً فاعلًا للذنب والمعصية أولى . الثاني : إنّ التعبير ب « عهدي » لو كان يشير إلى النبوّة فالقصد منه أن أحداً من الظلمة لا ينال مقام النبوّة ، وأنّ النبي يجب أن يكون معصوماً ، ولو كان يشير إلى الإمامة فدلالة الآية تامّة أيضاً ، لأنّ كلّ نبي إمام نظراً لاقتداء الناس به ( في كلّ الأمور بلا قيد أو شرط ) » « 1 » . مع أنّ كلام الرازي في تفسير الإمامة لم يف بالمطلوب ( كما تقدّم ) ، لكن اعترافه الصريح فيما يتعلّق بالدلالة على لزوم عصمة الأنبياء ( والأئمّة ) ملفت للنظر ، والإشكال الوحيد الذي يمكن إيراده على هذا الاستدلال ، هو أنّ عصمة الأئمّة هي المستوحاة من الآية المذكورة لا الأنبياء ( الأئمّة بالمعنى المتقدّم ) . لكن هذا الإشكال يمكن ردّه بالقول : إنّ طلب إبراهيم عليه السلام مع أنّه يدور حول مقام الإمامة ، فلفظ « العهد » الوارد في جواب الباري جلّت قدرته : « لَايَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ » تشمل كلًا من « الإمامة » و « النبوّة » معاً ، لكون كلّ منهما عهداً إلهيّاً لبداهة شموله لهما كيفما فسّرناه ، وموهبة كهذه لا تكون من نصيب الظالمين كما جاء في روح البيان أيضاً : « وفي الآية دليل على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الكبائر قبل البعثة وبعدها » « 2 » . في الآية الثانية يأمر اللَّه تعالى المؤمنين كافّة بالامتثال لأوامر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله واجتناب ما ينهى عنه ، ويحثهم على التقوى لأنّه تعالى شديد العقاب . « وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ » . التأمّل في الآية يكشف عن أنّ المراد من : « وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ » ، هو كلّ أوامر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، باعتبار أنّ نواهيه هي الطرف المقابل : « وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا » ، ومن هنا فقد صرّح الكثير من المفسّرين بعمومية مفاد الآية ( كالطبرسي في مجمع البيان ، أبي الفتوح

--> ( 1 ) تفسير الكبير ، ج 4 ، ص 48 . ( 2 ) تفسير روح البيان ، ج 1 ، ص 338 .