الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
19
نفحات القرآن
هذه الآية ونظائرها التي تعتبر « بشارة » و « إنذاراً » هي بمثابة برنامج رئيسي للأنبياء عليهم السلام ، وتعدّ أيضاً ردّاً على أولئك الذين يعتبرون الأنبياء عليهم السلام آلهة ويرجون منهم إظهار كلّ أنواع القدرة الإلهيّة ، وعلى أولئك الذين أنكروا دعوتهم وخالفوهم في مسيرتهم إذ يؤكّد اللَّه تعالى أنّ وظيفة الأنبياء عليهم السلام هي البشرى والإنذار فقط ، أمّا باقي الأمور فهي موكولة إليه تعالى وأنّ الهداية مرتبطة بالناس أنفسهم كما في الآية : « فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ » « وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ » ففي الواقع يمكن حصر كلّ الدوافع الإنسانية في هاتين الجملتين المعروفتين : « جلب المنفعة » و « دفع الضرر » ، ( الأعمّ من المادية والمعنوية ) ، وقد ركّزت « البشارة » و « الإنذار » عليهما ، كما أنّهما بمثابة الأساس الذي تعتمد عليه كلّ تربية إلهيّة وبشرية مادية ومعنوية . البشارة لا تكفي لوحدها وكذلك الإنذار ، بل لابدّ من حاكميتهما معاً على حياة الإنسان وفي كلّ مراحل التربية منذ نعومة أظفاره حتّى الرمق الأخير ، والذي يلتزم بإحداهما دون الأخرى سيفشل في برامجه ، إذ كما أنّ التشويق يعدّ عاملًا محرّكاً ، فكذلك التهديد يعدّ رادعاً قويّاً بالنسبة للمعاندين . 7 - إتمام الحجّة من الطبيعي إنّ فريقاً من الأنانيين والمتغطرسين المعاندين الذين يرون دعوة الأنبياء عليهم السلام مخالفة لأغراضهم الشخصيّة يمتنعون عن قبولها ويقفون منها موقفاً سلبياً ، ولو أنّ اللَّه سبحانه وتعالى لم يبعث نبياً فمن الممكن أن يدعي هؤلاء ادّعاءات وحجج واهية ، من بينها ، أنّ اللَّه سبحانه وتعالى لو بعث نبياً لاستقبلناه بصدور رحبة ولآمنا برسالته وبما يقول ، إلى غير ذلك من الادعاءات الكاذبة . وعلى هذا الأساس فإنّ أحد أهداف بعثة الأنبياء هو إلقاء الحجة على هذه المجموعة على كافة المعاندين ، وأنّ إلقاء الحجّة هذا ، يمثل أولًا : العدل الإلهي بالشكل الواضح والدقيق .