الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

401

نفحات القرآن

وتبيّن الآية 111 من سورة الإسراء انّهم كانوا يظنّون أنّ أصنامهم أنداداً للَّه‌في المالكية والحاكمية على العالم ، وحتى أنّهم كانوا يعتقدون أنّ الأصنام تعين اللَّه في بعض المشاكل : « وَقُلِ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى لَم يَتَّخِذ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِى المُلكِ وَلَم يَكُن لَّهُ وَلِىٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِّرهُ تَكبِيراً » . تمثل كل واحد من هذه الجمل الثلاث نفياً لمعتقدات عبدة الأوثان ، الذين كانوا يظنون أنَّ : ( الملائكة بنات اللَّه ) ، ( يرجى الالتفات إلى كلمة الولد تعني كلا المعنيين البنت والولد أي الذكر والأنثى ) « 1 » وأنّهم شركاء له في الخلق وأنّهم أعوانه وأولياؤه . ومن الواضح أنّ هذه المعتقدات لو لم يكن لها وجود في تلك البيئة ، لما كان لهذه التعابير القرآنية أيُّ مفهوم . وممّا يسترعي الانتباه أنّ القرآن الكريم وصف عبدة الأوثان ب « المشركين » واعتبر عملهم « شِركاً » ، فلو لم يكونوا يعتقدون بنوع من الشِّركة بين اللَّه والأصنام وكانوا يحسبونها شافعة فقط بين يدي اللَّه ، إذ لما كان هذا التعبير صحيحاً بشأنها ، لأنّ كلمة « الشرك والمشرك » دالتان على أنّهم كانوا يعتبرون الأصنام شركاء للَّه‌في الربوبيّة ، وحل المشاكل والخلقة وأمثال ذلك ، « كانت الأصنام الحجرية والخشبية في عقيدتهم رمزاً ومظهراً للصالحين والملائكة ) . وبعبارة أخرى كانوا يقولون : إنّ للأصنام نوعاً من الاستقلال في تدبير شؤون العالم ، وبتعبيرهم كانوا يعتبرونها أنداداً للَّه ، لا مجّرد وسطاء بين يديه . والتعابير الواردة في الآيات القرآنية المختلفة تكشف لنا عن هذا الموضوع بكل وضوح ، جاء مثلًا في قوله تعالى : « وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ » . ( العنكبوت / 22 ) وهذه إشارة لاعتقاد المشركين بأنّ الأصنام أولياؤهم وأنصارهم ( من دون اللَّه ) ، كما تُصرح بذلك هذه الآية : « وَلَا يُغْنِى عَنهُمْ مَّا كَسَبُوا شَيْئاً وَلَا مَااتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ

--> ( 1 ) . « الولد » بمعنى المولود وتُطلق على الصغير والكبير والذكر والأنثى والمفرد والجمع ( راجع مفردات الراغب ) .