الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

400

نفحات القرآن

إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَينَهُمْ فِى مَا هُم فِيهِ يَختَلِفُونَ » . ( الزمر / 3 ) ووفقاً لهذه الآية فانّهم كانوا يعتبرون من يعبدون من دون اللَّه أولياء ، وقيِّمين وحماة وحافظين لهم ، فكانوا يعبدونهم ، وكلا هذين الفعلين ( اعتبارهم أولياء وعبادتهم ) شرك . أمّا إذا لم يعبد أولياء اللَّه وأنبياء وملائكته ، بل يحترمهم ويكرّمهم ويرى فيهم أنّهم شفعاء له بين يدي اللَّه وبأذنه ، فهو غير مشمول بهذه الآية قطعاً . وبسبب عدم إحاطة الوهابيين بالآيات القرآنية الواردة بخصوص الشفاعة ، ومسألة الكفر والإيمان والشروط التي حدَّدها اللَّه للشفيع والمشفوع له ، فقد اشتبهت عليهم هذه المسألة مع ما كان يعتقد به عبدة الأوثان ، وبهذه الشاكلة التَبَسَتْ عليهم الحقيقة . 5 - أمّا قول الوهابيين إنّ عبدة الأوثان العرب كانوا يعتقدون بأنّ كلَّ شيء بما فيه المالكية والرازقية للَّه‌تعالى ، وكانت مشكلتهم تتمثل فقط في شفاعة ووساطة الأوثان ، فهو خطأ آخر من أخطائهم الناتجة عن فقرهم العلمي والثقافي وعدم المامهم بالآيات القرآنية . وذلك لأنّهم - أي عبدة الأصنام - كانوا ينسبون بعض هذه الصفات للأصنام كما يفهم هذا المعنى من الآيات الشريفة ومن جملتها : « فَاذَا رَكِبُوا فِى الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُم الَى الْبَرِّ اذَا هُم يُشرِكُونَ » . ( العنكبوت / 65 ) يتبيَّن من هذا التعبير أنّهم كانوا في الأوضاع العادية يتوسلون بالأصنام لحل مشاكلهم ، وفي الشدائد يتعلّقون باللَّه فقط . وكذلك ما فيها أمر للنبي صلى الله عليه وآله : « قُل أَرَأَيْتُمْ شُركَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرضِ أَم لَهُمْ شِركٌ فِى السَّموَاتِ » . ( فاطر / 40 ) لو كان المشركون يعتقدون بتفرد اللَّه في الخالقية وينظرون إلى الأصنام نظرة الشفيع فلا معنى لهذا السؤال ، لأنّهم سيقولون في الجواب : إننا لا نعتبرهم خالقين ، ونعدّهم واسطة فقط بين الخالق والمخلوق ، وهل يجب في الواسطة أن يكون خالقاً أو شريكاً في الخلق ؟ وهذا يكشف بوضوح أنّ عبدة الأصنام قد جعلوا من أصنامهم بشكل من الأشكال أنداداً وشركاء للَّه‌سبحانه وتعالى ، وأنّ الرسول صلى الله عليه وآله مأمور بكشف وفضح أكاذيبهم بأنّ يسألهم ماذا خلقوا ؟