الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
361
نفحات القرآن
تلك الأدلّة شيوعاً هي ما ورد في من سورة الجن والتي مَرّ علينا تفسيرها مسبقاً وهي : « وَمن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِانَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً » . ( الجن / 23 ) ولكن هناك قرائن كثيرة في هذه الآيات وفي غيرها تدل على أنّها ( هذه الآيات ) تختص بأولئك الذين تنتهي بهم ذنوبهم إلى الكفر وانكار المعاد أو النبوّة أو ضرورة من ضرورات الدين ، ومن جملة تلك القرائن الآية : « كَأَنَّمَا اغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ الَّيْلِ مُظلِماً » . ( يونس / 27 ) وبالنظر إلى أنّ هذا الوصف قد ورد في القرآن هنا بحق الكفّار ، حيث يقول تعالى : « وَوُجُوهُ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * اولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ » . ( عبس / 40 - 42 ) فهذا دليل على أنّ المقصود في الآية موضع بحثنا هم الكفّار أيضاً . ولهذا جاء في الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال : « هؤلاء أهل البدع والشبهات والشهوات يسوِّد اللَّه وجوههم ثم يلقونه ، يقول اللَّه : « كَأَنَّمَا اغشِيَت وُجُوهُهُم قِطَعاً مِّنَ الَّيْلِ مُظلِماً » ، يسود اللَّه وجوههم يوم القيامة ويلبسهم الذل والصغار ، يقول اللَّه سبحانه وتعالى : « اولَئِكَ اصحَابُ النَّارِ هُم فِيهَا خَالِدُونَ » » « 1 » . والقرينة الأخرى هي عبارة « أحَاطَتْ بِهِ خَطِيئتُهُ » الواردة في الآية 81 من سورة البقرة والتي تشير إلى أنّ ارتكاب الذنب الكبير وحده لايؤدّي إلى الخلود في النّار ، بل إنّ إحاطة الذنب بكل وجود الإنسان هي السبب في طرح مثل هذا الموضوع لأنّها تسوقه نحو الكفر ، والسبب في ذلك - كما تفيد الروايات - أنّ الإيمان يظهر في القلب على هيئة نقطة مضيئة ، وكلما ازدادت أعمال الخير التي يؤدّيها كلما اتسعت تلك النقطة حتّى تحيط بقلبه كله ، وكلما ارتكب ذنوباً ومعاصيَ كلّما خيم الظلام على قلبه حتى يحيط بقلبه كله ويجعله قلباً أسوداً ( ينطفيء فيه نور الإيمان ) لا سيما وأنّ بعض الروايات تستدل بقوله تعالى : « كَلَّا بَل رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكسِبُونَ » « 2 » . ( المطففين / 14 )
--> ( 1 ) . تفسير علي بن إبراهيم ، ج 1 ، ص 311 . ( 2 ) . أصول الكافي ، ج 2 ، ص 273 ، باب الذنوب ، ح 20 .