الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
362
نفحات القرآن
وبعض تلك الآيات تؤكّد تعمّد الذنب ( كآية القتل ) ، ولعل المراد منها هو مخالفة امر اللَّه ومخالفة الحق ، وهذا من أوضح مصاديق الكفر . والاشتشهاد الآخر هو الوارد في قوله تعالى : « ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُا السُّوأَى انْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهزِئُونَ » . ( الروم / 10 ) يُظهر هذا التعبير أنّ الاصرار على الذنب والاستمرار عليه يؤدّي بالنتيجة إلى الكفر وتكذيب آيات اللَّه وهو مايؤدّي إلى الخلود في النّار . إضافة إلى كل هذا ، فإنّ الآية : « انَّ اللَّهَ لَايَغْفِرُ انْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ » والتي تكررت مرّتين في سورة النساء 48 و 116 ، هي دليل آخر واضح على هذه الحقيقة وهي أنّ المشركين ( الكفر بأنواعه أيضاً ملحق بالشرك ) لايُغفر لهم ويخلدون في جهنّم ، وأنّ المجرمين الآخرين يمكن أن يُغفر لهم ، وهذا ما يدل على أنّ حسابهم يختلف عن حساب الكفّار ولا يمكن أن يُعدّوا ضمن صنف واحد . لا يتوهم أحد أنّ هذه الآية تعطي الضوء الأخضر للمجرمين ، لأنّه لم يصدر وعد قطعي بالعفو عنهم بل هو وعد احتمالي مرتبط بمشيئة اللَّه ، ولما كانت مشيئة اللَّه وإرادته مرتهنة بحكمته ، وحكمته تقتضي أن تكون هذه المقوّمات كلها معايير للعفو ، اذن ، فالحال يوجب على المجرمين عدم قطع علاقاتهم باللَّه وأوليائه والإبقاء على جسور العودة قائمة . ورد في الروايات أنّ هذه الآية هي أكثر الآيات التي تبعث الأمل والرجاء في النفوس ، كما جاء عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنّه قال : « ما في القرآن آية أرجى عندي من هذه الآية » « 1 » . ولطرح مزيد من التوضيح ، ينبغي الالتفات إلى أنّ الآية المذكورة لا تشمل مرتكب الصغائر طبعاً لأنّ القرآن قد وعد بغفران الذنوب الصغيرة لمن يتورّع عن اجتناب الكبائر منها ، وهي أيضاً لا تشمل الذنوب الكبيرة بعد التوبة لأنّ التوبة سببٌ لغفران جميع الذنوب
--> ( 1 ) . لمزيد من الايضاح راجع التفسير الأمثل ، ذيل الآية 48 من سورة النساء .