الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
341
نفحات القرآن
ونرى في الآية الخامسة مشهداً آخر يصور اللوم والتعنيف والاحتقار لأصحاب النّار من قبل خزنتها وملائكة العذاب ، فتقول : « وَقَالَ الَّذِينَ فِى النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوماً مِّنَ العَذَابِ * قَالُوا اوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الكَافِريِنَ الَّا فِى ضَلالٍ » . فهذه التعابير تبدو وكأنّها سياط تلهب أرواحهم وتعذّبهم ، فطلبوا يوماً واحداً للراحة من ذلك العذاب إلّاأنّ طلبهم رُفض ، فطلبوا من خزنة النّار أن يدعوا لهم ، لكن هؤلاء قالوا لهم : أنتم ادعوا بأنفسكم ، إلّاأنّ هذا الكلامُ يعتبر إهانة لهم بسبب عدم أهليّتهم للدعاء أو أنّ دعاءهم يجب أن يكون مسبوقاً بإذن من اللَّه - وهو جلّت قدرته - لا يسمح لهم ولا يأذن بمثل هذا الدعاء ، أو أنّه دعاء غيرُ مستجاب فهو إذن عبث لا أكثر ، ولذا فهم ينزعجون حتّى من الدعاء لهم ويقولون أنتم ادعوا ربّكم ( واعلموا أنّه غير مستجاب لكم ) وهذا أيضاً تعبير مؤلم آخر . وتعكس الآية السادسة جانباً آخر من العذاب الروحي لأصحاب النّار فتقول : « اذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً » . تُصور هذه الآية هنا جهنّم وكأنّها تمتلك جميع صفات الحيوان المفترس فحين رؤيته لفريسته تنطلق منه أصوات مرعبة تنمُ عن الغضب مصحوبة بالتنفّس الشديد ، وهذا العمل كفيل بإدخال الرعب في قلبه ومن ثم القضاء عليه . و « التغيظ » : مأخوذ من المصدر ( غيظ ) ، وهو كما قال الراغب : يعني شدّة الغضب ، والتغيّظ بمعنى اظهاره ، ومع أنّ حالة الغضب لا تسمع ولكن ترافقها أصوات دالة عليها قابلة للاستماع كالأصوات المرعبة . وتعني كلمة « الزفير » صعود ونزول النفس في الرئة بحيث يرتفع الصدر إلى الأعلى وغالباً ما يصحبه صوت رهيب يمكن سماعه .