الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

342

نفحات القرآن

أمّا المفسرون الذين لا يمكنهم التصديق بأنّ جهنّم موجود حي يرى ويدرك ويعرف المجرمين ، فقد اضطروا إلى القول : إنّ هناك شيئاً مقدراً ، فقالوا : المقصود هو رؤية خزنة النّار بينما نعلم أنّ التقدير خلاف القاعدة ولا حاجة له هنا ، فما المانع أن يكون لجهنّم والجنّة روح وأنّهما تدركان الحوادث التي تقع فيهما ؟ حتّى أنّ بعض الروايات ذكرت « يخرج عنق من النّار له عينان تبصران ولسان ينطق فيقول وكّلت بكل من جعل مع اللَّه إلها آخر فهو أبصر بهم من الطير بحب السمسم فيلتقطه » « 1 » . ونحن نرى أمثلة مصغرة لهذه المسألة في الدنيا منها مايتمثّل في وضع العيون والآذان الالكترونية المرتبطة بأجهزة ( الكامبيوتر ) في البنايات المختلفة ، فتقوم تلك الأجهزة بمشاهدة وسماع الكثير من الأشياء والحوادث وتبدي ازاءها رد الفعل المناسب رغم أنّ البناية لا تدرك شيئاً ، ولعل رد فعل جهنّم إزاء المجرمين هو من هذا الطراز أو من طراز أرفع ، أي يكون مصحوباً بالإدراك . ونرى في الآية السابعة صورة أخرى من الآلام النفسية لأصحاب جهنّم فهي تخاطب المؤمنين بقولها : « يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا انفُسَكُم وَاهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ » . يتبيّن من هذا التعبير أنّ نار الآخرة تختلف كثيراً عن نار الدينا ، سواء كان المقصود من « الحجارة » الأصنام الحجرية أو ما هو أشمل من ذلك ، وسواءً كان المقصود هو النّار التي تخرج من داخل ذرّات تلك الأحجار أم كان المقصود شيئاً آخر ، فكل ما هو موجود نار ينبثق بعضها من داخل ذات الإنسان ؛ من معتقداته ونواياه الباطنية القبيحة وجوارحه الملوّثة بالذنوب ، أو الأحجار التي كانت آلهة له أو من وسائل المفاخرة والتباهي كالقصور وما شابه ذلك .

--> ( 1 ) . تفسير القرطبي ؛ وتفسير روح المعاني ، في ذيل الآية مورد البحث .