الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

340

نفحات القرآن

أشارت إلى هذا المعنى وخاصّة الجملة التي تنص على : « وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ » . ( الحجّ / 21 ) وجملة : « وَذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ » التي تُقال لهم من باب التقريع والاستهانة تُعتبر هي الأخرى نموذجاً لهذا العذاب النفسي « 1 » . كثرة اللوم والتقريع : نواجه في الآية الرابعة صورة جديدة للإهانة والاحتقار التي يلقاها أصحاب النّار وهذا - كما قلنا - نوع من العذاب النفسي الأليم ، وتقول الآية المباركة : « رَبَّنَا اخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَانَّا ظَالِمُونَ » ، فيقال لهم من قبل اللَّه تعالى : « قَالَ اخسَئُوا فِيهَا وَلَاتُكَلِّمُونَ » . وقد صَرّح جميع أصحاب اللغة والمفسرون بأنّ كلمة « اخسأ » تعبير يُستخدم لطرد الكلب وإن استخدامه هنا فيه دلالة على احتقار هؤلاء الظلمة والمستكبرين . ولعل كلمة « لاتكلّمون » أكثر منها مرارة واستهانة ، فالمولى الكريم الرحيم يطرد عبده ويقول له لا تكلّمني أبداً ، وهذا هو نفس المعنى الذي أشارت إليه العبارة الواردة في دعاء كميل : « فهبني يا إلهي وسيّدي ومولاي صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك » . ولكن لماذا يواجه هؤلاء مثل هذا العذاب النفسي القاتل ؟ تزيح الآيات التالية الستار عن هذه القضّية فتقول : « انَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّن عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارحَمْنَا وَانتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى انْسَوْكُمْ ذِكرِى وَكُنْتُمْ مِّنهُمْ تَضْحَكُونَ » . ( المؤمنون / 109 - 110 ) فكانت نتيجة ذلك الاستهزاء والضحك على المؤمنين أن أصبحتم اليوم عرضة للاستهزاء والاحتقار ، وهذا في الحقيقة تجسيد لأعمالكم !

--> ( 1 ) . كلمة « الحريق » وإن كانت هنا اسم مصدر إلّاأنّ لها معنى الفاعل ، أمّا على قول البعض الآخر فهي صيغة مبالغة ( أو صفة مشبّهة » ، وعلى قول الراغب ف « الحريق » هنا بمعنى النّار وهذا التفسير يبدو أكثر ملائمة لأنّه أضاف العذاب إلى الحريق .