الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

295

نفحات القرآن

ونرى في الآية الرابعة اسماً وصفة أخرى لهذا المكان الذي يتجسد فيه الغضب الرباني ، وهذا الاسم هو « السعير » . فبعد أن يشير القرآن إلى الغاية من نزوله وينذر الناس من يوم القيامة ، يقسم الناس يومذاك إلى فريقين ويقول : « فَرِيقٌ فِى الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى السَّعِيرِ » . وقد وردت كلمة « سعير » في القرآن 16 مرّة وورد جمعها أي كلمة « سُعُر » مرّتين ، وهذه الكلمة مشتقة من المصدر « سَعْر » وهو على وزن ( قَعْر ) ويعني اذكاء النّار وتأجيجها ، وجاء أيضاً بمعنى شدّة الاضطرام ، ولهذا « فالسعير » يعني النّار الشديدة الاشتعال واللهب والاحراق ، وجاءت أحياناً بمعنى « الجنون » أيضاً لأنّ الشخص في هذه الحالة يلتهب ويغلب عليه الهيجان ، ويقال كذلك للناقة المجنونة : ناقة مسعورة « 1 » . ونظراً لاستخدام كلمة « السعير » في الآية المذكورة في قبالة كلمة « الجنّة » يفهم بأنّها أيضاً أحد أسماء النّار ، واستخدام تعبير « أصحاب السعير » في عدد من الآيات يعتبر أيضاً قرينة أخرى على هذه التسمية « 2 » . إلّا أنّه لا يمكن انكار مجيئها في بعض الآيات القرآنية بنفس ذلك المعنى الوصفي لتشير إلى اضطرام نار جهنّم . التعبير الخامس الذي تكرر في القرآن في 25 موضعاً ، هو الجحيم ، فتقول الآية المطروحة لبحثنا : « فَامَّا مَنْ طَغَى * وَآثَر الحَيَاةَ الدُّنيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ المَأْوَى » . وكلمة « الجحيم » على وزن ( لَحْم ) كما يفهم من عبارات القرآن هي واحدة من أسماء جهنّم ، ومشتقة من مادة « جَحْم » على وزن ( لحْم ) التي تعني « شدّة نورية النّار » كما يقول الراغب في مفرداته . وتأكّد نفس هذا المعنى في « مقاييس اللغة » أيضاً ، لكن صاحب صحاح اللغة فسّره

--> ( 1 ) مقاييس اللغة ؛ وصحاح اللغة ؛ والتحقيق ؛ ومفردات الراغب . ( 2 ) الملك ، 10 - 11 ؛ فاطر ، 6 .