الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
275
نفحات القرآن
بِئسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرتَفَقاً » . ( الكهف / 29 ) وهناك تعبير آخر شديد اللهجة أيضاً ورد أيضاً في قوله تعالى : « وَامَّا القَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً » . ( الجن / 15 ) ويبيّن هذا التعبير أنّ نار جهنّم تستعر في داخل نفوسهم ، وكما كانوا في هذه الدنيا ناراً محرقة للمظلومين ، يتحول كيانهم هناك في عالم تجسيد الأعمال إلى قطعة من نار ، ولا تعبير أبلغ وأفصح من هذا التعبير بشأن القوم الظالمين « 1 » . 9 - الركون إلى الظالمين ليس الظلم وحده يؤدّي إلى ورود جهنّم المتوقدة بنار الغضب الإلهي ، بل الركون إلى الظالمين واعانتهم يؤدّي إلى ذلك أيضاً - كما صرح بذلك القرآن الكريم - وقد جاء في الآية الشريفة : « وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَالَكُمْ مِّنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ اوْلِيَاءَ ثُّمَ لَا تُنصَرُونَ » . ( هود / 113 ) كلمة « تركنوا » مشتقة من مصدر ( الركون ) والذي يعني في رأي أصحاب اللغة الاتكال على الشيء والميل إليه ، وهو ما يستلزم اتصافه بالقوة والمقدرة ، لأنّ الإنسان يتوكّل ويعتمد على ما فيه القدرة ، ولذلك تطلق كلمة « الركن » على العمود أو الجدار الذي يُقام عليه البناء أو الأشياء الأخرى « 2 » . وتحمل الآية أعلاه عنواناً عاماً يطلق على كل الظلمة ، وتشتمل أيضاً من خلال تعبير « الركون » على أيَّ نوع من أنواع الارتباط والاعتماد على الظالمين ، وتقول إنّ الجميع سيقعون في نهاية المطاف في قبضة العذاب الإلهي ، بل وإنّهم حتّى في هذه الحياة الدنيا لا
--> ( 1 ) . ورد نفس هذا المعنى في سورة سبأ ، 42 ؛ الزخرف ، 65 ؛ آل عمران ، 151 ؛ المائدة ، 129 ؛ إبراهيم ، 22 ؛ مريم ، 72 ؛ الأعراف ، 41 ؛ الأنبياء ، 29 ؛ والشورى ، 45 . ( 2 ) . مصباح اللغة ؛ صحاح اللغة ؛ والتحقيق في كلمات القرآن الكريم .