الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

245

نفحات القرآن

النظرية الأخرى تقوم على رأي جماعة من الفلاسفة الذين ينكرون مادّية الجنّة والنّار ، وعلى هذا ذهبوا إلى عدم حاجة الجنّة إلى المكان المادّي بل هي في ماوارء عالم الحس والمادّة ، وقد تحدّث صدر المتألهين عن هذا الموضوع في كتاب الأسفار قائلًا : « واعلم أنّ لكل نفس من نفوس السعداء في عالم الآخرة مملكة عظيمة الفسحة ، وعالماً أعظم وأوسع ممّا في السماوات والأرضين ، وهي ليست خارجة عن ذاته بل جميع مملكته ومماليكه وخدمه وحشمه وبساتينه وأشجاره وحوره وغلمانه كلها ، قائمة به ، وهو حافظها ومنشئها بإذن اللَّه تعالى وقوته ، ووجود الأشياء الأخروية وإن كانت تشبه الصور التي يراها الإنسان في المنام أو في بعض المرايا لكن يفارقها بالذات والحقيقة ، أمّا وجه المشابهة فهو أنّ كلا منها بحيث لا يكون في موضوعات الهيولى ولا في الأمكنة والجهات لهذه المواد ، وأن لا تزاحم بين أعداد الصور لكل منهما وأنّ شيئاً منهما لا يزاحم شيئاً في هذا العالم في مكانه أو زمانه ، فإنّ النائم ربما يراه في يقظة هذا العالم ، وهي مع كونها مغايرة لما في الخارج بالعدد لكن لا تزاحم ولا تضايق بينها . . وأمّا وجه المباينة فهو أنّ نشأة الآخرة والصور الواقعة فيها قوية الجوهر شديدة الوجود عظيمة التأثير إلذاذاً وإيلاماً ، وهي أقوى وأشد وآكد ، وأقوى من موجودات هذا العالم ، فكيف بالصور المنامية والمرآتية ، ونسبة النشأة الآخرة إلى الدنيا كنسبة الانتباه إلى نشأة النوم » « 1 » . وبالرغم من استخدامه لتعابير مختلفة بشأن المعاد فليس من السهل الحكم على رأيه من خلال هذه التعابير ، لكن من الواضح أنّ هذا التفسير للمعاد لا يتطابق مع ظاهر بل مع صريح القرآن ، بل يتناسب مع آراء الذين يعتبرون المعاد روحياً فقط ، فقد ورد في النص السابق أنّ الجنّة في داخل ذات الإنسان وفي نفسه وروحه وكل شيء هناك له صورة مثالية ، وكل شيء روحاني ، بل وأنّ الموجد له هي روح الإنسان ! لقد ذكرنا فيما سبق عشرات الآيات التي تثبت جسمانية المعاد ، وذلك ضمن عدّة مجاميع وبإمكان كل مجموعة أن تكون جواباً على مثل هذا الرأي .

--> ( 1 ) . الاسفار الأربعة ، ج 9 ، ص 176 الفصل 10 .