الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
246
نفحات القرآن
أمّا الرأي الثالث الذي يمكن طرحه في هذا الصدد فهو أنّ كلًّا من الجنّة والنّار تقعان في باطن هذا العالم ، وحجب عالم الدنيا تحول دون رؤيتهما ، لكن أولياء اللَّه بإمكانهم مشاهدتهما ، وقد استطاع النبي الكريم صلى الله عليه وآله أثناء معراجه حيث صار بعيداً عن ضجيج سكان هذا العالم ، أن يرى بعينه الملكوتية قطعة من الجنّة في العالم الأعلى ، وحتّى أنّ أولياء اللَّه قد يتاح لهم بين الفينة والأخرى أثناء بعض النفحات مشاهدة ذلك وهم على الأرض ! وقد تكون الآيات التالية إشارة إلى هذا المعنى : « انَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ » . ( العنكبوت / 54 ) وقال : « انَّ الْأَبرَارَ لَفِى نَعِيمٍ * وَانَّ الفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ » . ( الانفطار / 13 - 14 ) وكذلك : « كَلَّا لَو تَعْلَمُون عِلْمَ اليَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ » . ( التكاثر / 5 - 6 ) يمكن تشبيه وجود الجنّة في باطن هذا العالم بماء الورد في الورود ، فمع أنّ ماء الورد مادّة وكذلك الورود لكن ذلك لا يمنع من وجود أحدهما مخفياً داخل الآخر فلا يشاهد بالعين . والتشبيه الآخر الذي يمكن الإتيان به لتقريب الموضوع إلى الأذهان ، وهو تشبيه سبق ذكره حيث توجد أشياء كثيرة في عالم المادّة هذا لا يتيسّر لنا إدراكها في الظروف الاعتيادية ، وكثير منها موجود في داخل هذا العالم المادّي فعلى سبيل المثال توجد في فضاء هذا العالم أمواج إذاعية عديدة تبثها في الفضاء محطات الإذاعة العالمية ، وتصل أحياناً بواسطة الأقمار الصناعية إلى جميع أرجاء العالم ، وتوجد أنواع متعددة من هذه الموجات في كل بيت ، لكنّ أحداً لا يشعر بها ، ولعل بعضها يحمل أنغاماً وأصواتاً جذّابة ورائعة ، وقد يحمل بعضها الآخر أصواتاً مزعجة وصفّارات انذار وأنغاماً تشمئز منها النفوس ، وكذلك محطات التلفزة ، فقد تبث صوراً ومشاهد جميلة وجذّابة وتربوية فيما تبث محطّات أخرى مشاهد الحرب والدمار والخراب والمذابح والحرائق والجرائم ، وكل هذه الصور والمشاهد والأصوات المختلفة موجودة في عالمنا المادي هذا وفي هذا الفضاء