الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

213

نفحات القرآن

الإلهي الأليم على من يكتم آيات اللَّه بالقول : « وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيْهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ الِيمٌ » . ( البقرة / 174 ) ويتحدث القرآن في موضع آخر عن نفس هذا الموضوع والعذاب الإلهي على من يشترون بعهد اللَّه ثمناً قليلًا : « وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيْهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ الِيمٌ » . ( آل عمران / 77 ) نعم ، إنَّهم محرومون من لذّة التكلم مع اللَّه ونظرة رحمته ولطفه ، ولذلك فهم لا يطهرون ، ولما كانت الجنّة مأوى الأطهار فهم يبقون في جهنّم يذوقون أليم عذابها . ونستفيد من هاتين الآيتين أنّ هذه النعم والهبات سوف يخص بها اللَّه سبحانه وتعالى المؤمنين وأصحاب الجنّة ، وسوف يكلمهم بلطف ، ولهم نفس المنزلة التي أولاها لأنبيائه في هذه الدنيا ، فالتذوا واستأنسوا بما وهبهم اللَّه سبحانه وتعالى ، وأيّة لذّة أعظم وأحسن من هذه اللذّة ؟ فبالإضافة التي نعمة الحديث معهم ، فإنّ اللَّه ينظر إليهم نظرة لطف خاص ، وآية موهبة أعظم من هذه الموهبة ؟ حيث ينظر المحب نظرة لطف ومحبّة إلى محبوبه الصادق العاشق الولهان ؟ ! ومن البديهي أنّ الكلام لا يكون باللسان ، ولا النظر يكون بالعين ، فاللَّه سبحانه أجل من الجسم والجسمانية . ربّما يحصل أحياناً أن يغضب الأب على ابنه فلا يكلّمه ولا ينظر إليه ، وإذا كان الابن واعياً فهو يعتبر هذا التجاهل من أبيه تجاهه أكبر عذاب نفسي له ، أمّا في حالة الرضا عنه فهو يجلس معه وينظر إلى قوامه ويحادثه بانشراح ومحبّة وهذا من دواعي فخر الابن وسعادته . هذا في عالم المادّة والجسم والصورة ، ونفس هذه القضيّة تحدث بمقياس أسمى في عالم المعنى بين المولى الحقيقي وعباده . وذكرت سورة القيامة لذّة النظر إلى الجمال الذي لا مثيل له للمحبوب الحقيقي : « وُجُوهٌ يَومَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * الَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ » . ( القيامة / 22 - 23 )