الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
214
نفحات القرآن
وما يلفت الانتباه هنا هو أنّ تقديم ( إلى ربّها ) - وهو ما يفيد الحصر - ، يدلّ على أنّهم ينظرون إليه فقط في ذلك اليوم ولا ينظرون إلى سواه ، وهم إن نظروا إلى غيره فهي ليست إلّا نظرة عابرة ، ومع ذلك فهم يرونه هو وحده لأنّ كل ما في العالم مظاهر لذاته المقدّسة وآثار لطفه ورحمته ، وفي الحقيقة أنّ رؤية الأثر هي بمثابة رؤية المؤثر . وهناك احتمال آخر أيضاً في تفسير هذا المقطع من الآية : « الَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ » يشير إلى انتظار الناس لرحمة اللَّه ولطفه ، كما نقول أحياناً إنّ الشخص الفلاني لا ينظر إِلّا إليك أي أنّه ينظر كرمك وفضلك ، أو عندما نقول إننا نعقد الأمل عليك ، ولا مانع من اتساع معنى الآية لتشمل كلا المفهومين . وقد استدل أغلب مفسري أهل السُنّة عند وصولهم إلى هذه الآية ببعض الروايات الضعيفة التي تشير إلى المشاهدة الحسيّة للَّهتعالى ، وقالوا : إنّ أحد نعم أهل يوم القيامة رؤية اللَّه بهذه العين ، حتى أنّ بعضهم قال : إنّ اللَّه يظهر في السماء على هيئة النور ! وهم ينظرون فوق رؤوسهم ويلتذّون بمشاهدة نور اللَّه بهذه العين المجرّدة . وقد بحثنا في الجزء الرابع من هذا التفسير وبشكل موسّع في بطلان مثل هذه التصوّرات المليئة بالشرك والتي تهبط في تصوير الإله إلى أنّه جسم محدود بالمكان والاتّجاه ، وشرحنا كذلك ضعف هذه الأحاديث ، ولا نرى لزوم تكرار ما سبق القول فيه ، وإننا نعتبر مثل هذا الخطأ الفاحش ناتجاً عن الابتعاد عن تعاليم أهل البيت عليهم السلام ونسيان حديث الثقلين المتواتر « 1 » . من البديهي أنّ آثار عظمة اللَّه في ذلك اليوم أوضح بكثير ممّا عليه الحال في الدنيا ، وكذلك الحجب المظلمة التي تغطي قلوب المؤمنين في هذا العالم فانّها ستُزاح جانباً حتّى ليمكنهم مشاهدة ذاته المقدّسة من خلال نظرة قلبية وروحية واحدة ، بل ويكون الفيض الشهودي أحياناً أعمق ، فيغمرهم بجماله فينسون الجنّة والنعم التي هم فيها . ونختم بحثنا هذا بآية أُخرى تتحدث عن هذا الموضوع بأسلوب آخر ، إذ ورد فيها :
--> ( 1 ) . للمزيد من المعلومات ، يرجى المراجعة إلى ج 4 ، ص 175 - 192 من هذا التفسير .