الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
212
نفحات القرآن
الجنّة ، أشارت إلى الرضوان وصورته وكأنّه أمر متبادل بين الخلق والخالق قائلة : « رَضِىَ اللَّهُ عَنهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الفَوزُ العَظِيمُ » . وما أجمل أن يكون الرضا من الجانبين ، فهو يغرقهم بالنعم حتّى يرضون ، ويغمرهم بالمحبّة بحيث يعلن لهم عن رضاه ، وخلاصة القول أنّه لا فوز أكبر من أن يشعر الإنسان بأنّ مولاه ومحبوبه ومعبوده راضٍ عنه . ودلالة ذلك الرضا أنّه يفيض عليه بكل ما يتصور وما لا يتصور من النعم . وعبارة « راضية مرضية » من الآية 28 من سورة الفجر هي أيضاً إشارة إلى نفس هذا المعنى ، إذ تصوّر النفس المطمئنة لعباد اللَّه المخلصين الذين يصلون إلى جوار قرب المحبوب قائلة : إنّ صاحب النفس المطمئنة يرجع إلى ربّه وهو راضٍ عنه ورّبه راضٍ عنه أيضاً ، وهنا يصدر الأمر الإلهي : « فَادْخُلِى فِى عِبَادِى » كتاج للكرامة يزّين به الرأس ، فياله من فخر كبير عندما يخاطب تعالى الإنسان في قوله : « عبادي » ! نعم هذه هي عقبى من اجتاز مرحلة النفس الأمّارة والنفس اللوامة ووضع قدمه على أعتاب النفس المطمئنّة . فكبح جماح الأهواء ، وأَلجم الشيطان وامتطى مركب التقوى . ولا تقتصر الآيات المتعلقة برضا اللَّه في يوم القيامة باعتباره نعمة إلهيّة ، على ما ذكرناه ، فهذا المعنى يلوح للعيان في آيات أخرى أيضاً ويعكس الأهميّة الاستثنائية لهذا الموضوع « 1 » . 8 - نظر اللَّه إليهم ونظرهم إليه إنّ من أثمن اللذّات المعنوية هي أن يجود المحبوب الجامع لكل الكمالات بنظرة لطف على الإنسان ويتحدّث إليه ، والأكثر أهميّة من كل ذلك أن يتمكن الإنسان من بلوغ مقام شهود ذاته المقدّسة أي إنّه يراه بقلبه ويغرق في بحر جماله . وقد أكّد القرآن الكريم مراراً على هذه النعمة المعنوية ، فتذكر احدى الآيات العذاب
--> ( 1 ) . راجع سور ، القارعة ، 7 ؛ والتوبة ، 21 ؛ والحديد ، 20 ؛ والبيّنة ، 8 .