الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
199
نفحات القرآن
نعم هذه هي الأصول المتّبعة في استقبال الضيف العزيز ، فأول الأمر تفتح الأبواب والمضّيفون ينتظرون على الباب ، وما يكاد يدخل حتّى يستقبلوه بالترحاب وهذه من اللذات المعنوية الثمينة . « والخزَنة » : جمع ( خازن ) وهو بمعنى الحارس والمراقب ، والمقصود هنا هو الملائكة الذين يتولون المحافظة على الجنّة وتسيير شؤونها . وفي المرحلة اللاحقة بعد دخول الجنّة يُؤمر ملائكة اللَّه المقربون بالدخول عليهم من كل باب والترحيب بهم وتهنئتهم . ورد في قوله تعالى : « وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقبَى الدَّارِ » « 1 » . ( الرعد / 23 - 24 ) ويُفهم من الآية السابقة أنّ جموعاً من الملائكة يدخلون عليهم من كل باب ، مع الالتفات إلى أنّ كل باب من أبواب الجنّة مخصص لواحد من الأعمال الصالحة مثل : ( باب الصلاة ، وباب الجهاد ، وباب الحج ) فيتضح أنّ كل مجموعة من الملائكة تدخل عليهم لأجل واحد من الأعمال الصالحة التي أدوها في الدنيا ، والطريف في الأمر أنّ كل هذه الأعمال تتلخص في معنى الصبر بكل أنواعه : الصبر على الطاعة والصبر على المصيبة ، والصبر عن المعصية . والأهم من كل ذلك التحية والسلام الصادر من اللَّه إلى أهل الجنّة ، وهو سلام مقرون بالمحبّة وملئ باللطف والرحمة ، كما جاء في قوله تعالى : « سَلَامٌ قَولًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ » « 2 » . ( يس / 58 ) هذا السلام وهذه التحية الإلهيّة التي تنفذ في أعماق النفس وتملؤها بالطاقة فتشد إليها نفوس أهل الجنّة بما فيها من لطف واحسان وتجعلها مستغرقة بالبهجة ، إنّها نعمة لا تضاهيها نعمة ، أجل ، إنّ سماع نداء المحبوب المنبعث من جوده ولطفه لَهُو أفضل من الدنيا وما فيها .
--> ( 1 ) . هذه الجملة تقديرية ، وتقديرها هو : فنعم عاقبة الدنيا الجنّة . ( 2 ) . قيل في إعراب هذه الجملة : « سلام » خبر « أنّ » « لهم » مقدّرة . و « قولًا » مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره : يقول قولًا ، وهناك آراء أخرى أيضاً في هذا الصدد . إلّاأنّ ما ذكرناه هو الأنسب .