الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
200
نفحات القرآن
إنّ نفحة لقاء المحبوب ورؤية لطف الحبيب والسلام الذي يعني رفع الحجب ، يحوي من اللذّة والأشواق والبهجة بحيث لو بقي العشاق بعيدين عن فيضه المعنوي لما صبروا ، على تحمل ذلك ، وقد روى بعض مفسري السُنّة حديثاً قيّماً عن أمير المؤمنين عليه السلام يقول فيه : « لو حجبت عنه ساعة لمتّ » « 1 » . وعلى أيّة حال ، فإنّ أسمى أماني أهل الجنّة وأشرف مفخرة لهم وأحبّ ساعة إليهم ، هو أنّ يسلّم عليهم الرّب الرحمن الرحيم . وتجدر الإشارة إلى أنّ هناك آيات عديدة أخرى في القرآن الكريم تتضمن اهداء التحية لأهل الجنّة من غير أن تحدد مصدر التحية والسلام كما في « الآية 46 من سورة الحجر - والآية 75 من سورة الفرقان - والآية 34 من سورة ق » . فربّما يكون مصدر التحية الملائكة ، ويحتمل في بعضها أن يكون السلام من أهل الجنّة على بعضهم ، أو ربّما يكون من اللَّه وهذا أفضلها وأكملها . 2 - أجواء الامن والسلام إنّ أكثر ما يعكر صفو روح الإنسان في الدنيا هو عدم الشعور بالأمان في شتى مناحي الحياة ، وعدم الشعور بحلاوة الدنيا يعود في الغالب إلى عدم ثقة الإنسان بما بين يديه ، فهو غير واثق من المستقبل ولا هو واثق من أبناء جنسه ، لا سيما إذا كانت لدية نعمة أكثر فهو يجد نفسه عرضة لأمواج متلاطمة من الحقد والحسد والكراهية بما يجعل الدنيا مظلمة في عينيه . واحدى النعم الروحية المتوفّرة في الجنّة هي الشعور بالأمن والأمان في جميع المجالات ، فلا خوف من اندلاع الحرب ولا وجل من المخاصمات ، ولا الحقد له وجود ولا الحسد ، والعشق والوفاء يملأ الأرجاء ، وكذلك المحّبة والاخوّة تحيط بالجميع .
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان ، ج 7 ، ص 416 .