الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
174
نفحات القرآن
الشراب الثالث الذي أشارت إليه الآية الكريمة هو « الشراب الطهور » وساقيه هو اللَّه تبارك وتعالى ، وهو يبعث على تطهير الجسم والروح من كافة الأدران والكدورات ( وهذا شراب خاص للأبرار والمحسنين كالنوعين السابقين ) بعكس خمر الدنيا الذي هو نجس وينجس الروح والبدن . ويعتقد بعض المفسرين أنّ هذا الشراب يسقى بعد تناول الأغذية ( فإذا أكل [ الإنسان ] ما شاء سقي شراباً طهوراً فيطهر بطنه ويصير ماأكل رشحاً يخرج من جلده أطيب ريحاً من المسك ) ، لقد ذكر الفخر الرازي هذا التفسير كرواية . وقال صاحب تفسير الميزان : « ( وسقاهم . . ) أيبالغاً في التطهير لا يدع قذارة إلّاأزالها ومن القذارة قذارة الغفلة عن اللَّه سبحانه وتعالى والاحتجاب عن التوجُّه إليه فهم غير محجوبين عن ربّهم » « 1 » . وورد في تفسير « منهج الصادقين » نقلا عن الإمام الصادق عليه السلام : « إذا شرب المؤمن الشراب الطهور نسي ما سوى اللَّه وانقطع إليه بالكامل » « 2 » . وذكرت سورة المطففين ضمن عرضها للنعم الإلهيّة التي وعدها اللَّه سبحانه وتعالى للأبرار : « يُسقَونَ مِن رَّحِيقٍ مَّختُومٍ » ثم قال : « خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِى ذلِكَ فَليَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ » وفي الختام قال : « وَمِزَاجُهُ مِن تَسنِيمٍ * عَيناً يَشرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ » . ( المطففين / 25 - 28 ) كلمة ( رحيق ) على قول أغلب المفسرين هو الشراب الخالص من الغش والقذى ( أي خمر صافية خالصة من كل غش ) . « مختوم » : ممنوع من أن تمسّه يد حتى يفك ختمه للأبرار ، وهذا تأكيد آخر على خلوصه وصفائه . « ختامه مسك » : إشارة إلى الذي خُتم إناؤه بالمسك ، ويستخدم الختم عادة للتأكد والاطمئنان من عدم لمسه أو فتحه حيث يوضع الشئ في إناء معين ويغلق غلقاً محكماً من
--> ( 1 ) . تفسير الميزان ، ج 20 ، ص 130 . ( 2 ) . منهج الصادقين ، ج 10 ، ص 110 . ( طبقاً لنقل التفسير الاثني عشري ، ذيل الآية مورد البحث ) .