الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
161
نفحات القرآن
أو ( جنتان ) ، فنقرأ قوله تعالى : « وَمَن يُطِعِ اللَّه وَرَسُولَهُ يُدخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجرِى مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ » . ( النساء / 13 ) وفي قوله تعالى : « واللَّهُ يَدْعُوَا إِلَى الْجَنَّةِ وَالمَغْفِرَةِ بِاذنِهِ » . ( البقرة / 221 ) وفي قوله تعالى : « وَلِمَن خَافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ » . ( الرحمن / 46 ) فهذه الكلمات ( جنات ، جنتان ، جنة ) مشتقة من مادة ( جنّ ) على وزن ( فَنّ ) وهو الستر والتستر ، ويقول الراغب في مفرداته ستر شيمن الحس ، وعلى هذا الأساس له مشتقات كثيرة . « والجنّة » : بمعنى البستان وذلك لأنّ أرضها مستورة بأغصان الأشجار ولكن صاحب كتاب مقاييس اللغة يقول : الجنّة ما يصير إليه المسلمون في الآخرة وهو ثواب مستور عنهم اليوم ، ولكن نحن نستبعد هذا المعنى وذلك لأنّ بساتين الدنيا يقال لها أيضاً جنّة وهذا لا يكون إلّالسبب ستر أرضها بواسطة أغصانها ، ( تأمل ) . و « الجنين » : الولد في بطن امّه ، والجَنان : القلب لأنّه مستور في الصدر والمِجَن : الترسُ ، وكل ما استتر به من السلاح فهو جنة ( على قول صاحب مقاييس اللغة ) و ( الجِن ) و ( الجان ) يطلق على الموجودات الحيّة المستورة عن أعين الخلق ، وكذلك على الثعابين العظيمة تشبيها لها ب « الجن » ( الذي هو موجود خطر خفي ) ، ويطلق على عظام الصدر - جناجن - ولعل السبب في هذه التسمية كونها درعا لحفظ القلب . « جنون » : بمعنى ذهاب العقل واصل الجنون هو الستر ، جنون الليل : سواده وستره للأشياء ، على أيّة حال فإنّ المهم في هذا الموضوع هو أنّ بساتين الجنّة كثيفة الأشجار إلى درجة سترت أرضها بأغصانها المتدلية . ولقد وردت في عشرات الآيات بعد ذكر ( جنات ) جملة ( تجري من تحتها الأنهار ) وهذا يدل على أنّ الماء يجري دائماً تحت الأشجار وبتعبير آخر أنّ أغصان أشجارها تظل على المياه التي تجري تحتها ، فيكون الماء تحتها ( تأمل جيداً ) ، وهذا يعود إلى : أولًا : أنّ الماء والشجر يشكلان مع بعضهما البعض منظراً جميلًا في منتهى الروعة والجمال ، وكأنّ كل واحدٍ منهما ناقص ويحتاج إلى اكمال من الآخر .