الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
358
نفحات القرآن
والآية السادسة تصف وضع المجرمين يوم القيامة ، قال تعالى : « وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الُمجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ » ، ثم يضيف : « كَذلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ » . وعلى الرغم من أنّ هذه الآية لم تتحدث عن محل اللبث ، إلّاأنّ الآية اللاحقة أشارت إلى أنّ المراد من محل اللبث هو البرزخ ، لأنها تقول : « وَقَالَ الَّذِينَ اوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فىِ كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ البَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَاتَعْلَمُونَ » . وهذا التعبير يشير إلى أنّ مكث هؤلاء يطول أمده إلى يوم القيامة ، ولا يصح هذا إلّافي البرزخ . وقد انتخب هذا التفسير عدد كبير من المفسرين الكبار ، وهو أنّ الآية تشير إلى حياة البرزخ ، لكنّ البعض الآخر يرون أنّ الآية تشير إلى اللبث الحاصل في الدنيا ، الذي يراه المجرم قصيراً جدّاً كانصرام ساعة ، وادّعى بعضهم بأنّ هذه الآية تدل على هذا المطلب ، وهو ما جاء في قوله تعالى : « كَانَّهُّمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلّا عَشِيَّةً اوْ ضُحَاهَا » ! ( النازعات / 46 ) لكن لا يوجد في هذه الآية أيّ دليل واضح على أنّ المراد من اللبث هو اللبث في الدنيا ، بل يحتمل أيضاً دلالتها على أنّ اللبث هو في عالم البرزخ . وإذا تجاوزنا ذلك فإنّنا لا يمكننا أن نفسّر الآية إلّابدلالتها على « البرزخ » ، وذلك بالاستناد إلى ما ذكرته الآية من أنّ يوم القيامة هو اليوم الذي ينتهي فيه اللبث . وهنا يطرح هذا السؤال نفسه وهو : لماذا يُعدّ هؤلاء الزمان الطويل لعالم البرزخ قصيراً وقليلًا ؟ ويتضح الجواب على هذا السؤال من خلال ذكر مقدمة ، وهي : عندما يُوعد الإنسان بوعد جميل وشيّق ، فإنّ نار الشوق للوصول إلى تلك اللحظة سوف تستعر في قلبه ، فتمر الساعات والدقائق عليه ببطءٍ شديد ، فتمرّ عليه الساعة كأنّها أيّام أو سنين ، وعلى العكس من ذلك عندما يتوعّد العقاب الشديد فإنّه يودّ لو تتوقف عجلات الزمان ، لكنْ تمرُّ عليه الأيّام والشهور بسرعة في نظره وكأنّها لحظات أو دقائق لا أكثر ، وهذا هو حال المجرمين