الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

337

نفحات القرآن

القوانين المهيمنة على مراحل ما بعد الموت فإنّهم ينكرون ما عملوا من سوءٍ ويتوسّلون بالكذب ، لكنّهم سرعان ما يتضح لهم أَنّ الكذب لا ينفع هناك ! وهناك احتمالان في هل أنّ المراد من « جهنم » هنا هو جهنم عالم البرزخ أم جهنم يوم القيامة ؟ والذّي يتلاءم مع سكرات الموت هو الدخول في جهنم البرزخ ، لكنّ التعبير بالخلود يصلح لأنّ يكون قرينة على أنّ المراد هو جهنّم القيامة ، إلّاإذا قيل : إِنّ المراد هنا هو دخول أبواب جهنّم في عالم البرزخ لا دخول نفس جهنّم ، والخلود هنا هو صفة للكافرين عند دخولهم البرزخ لا عند دخولهم أبواب البرزخ . وتعبير : « بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » ، يحتمل أن يكون صادراً عن ملائكة الموت لتحذير الكافرين فكأنهم يقولون : لا تسعوا عبثاً في الانكار فإنّه غير نافع لأنّ علم اللَّه الواسع سوف يرفع الستار عن أعمالكم . وعلى أيّة حال فإنّ هذه الآية تشبه ما جاء في سورة محمد : « فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ » . ( محمّد / 27 ) بلى سوف تستقبلهم الملائكة بالضرب على وجوههم وأدبارهم ، ومن المحتمل أن يكون إقرارهم بالتوحيد والحقّ هو من أجل مشاهدة هذه المشاهد لا من أجل الإخلاص . وفي قبال هذا المشهد هناك ملائكة الرّحمة التي تأتي لقبض أرواح المؤمنين ، قال تعالى في الآية الثانية : « الَّذِينَ تَتَوفَّاهُمُ المَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » . وفي الواقع لا يمكن أن تكون مكافأة الطهارة والتقوى إلّابمثل هذا وهو أن تستقبلهم ملائكة اللَّه بالسلام والترحاب ، وتدعوهم لدخول الجنّة . . . تلك الدعوة التي يغمرها اللطف والمحبّة والاحترام ! وهنا أيضاً قد يراد من الجنّة جنّه البرزخ كما يحتمل أن يكون المراد جنّة القيامة وجنّة البرزخ تعتبر من أبوابها . على أيّة حال فإنّ هذا من أحد أبعاد الموت الذي هو بالنسبة للصالحين يختلف تماماً عمّا هو عليه بالنسبة للمذنبين .