الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

338

نفحات القرآن

6 - علّة الخوف من الموت إنّ صورة الموت مرعبة لدى الناس عادةً ، والسبب في ذلك يكمن في أمرين ، فهو إمّا أن يكون باعتبار الموت نهاية كلّ شيء أي يساوي معنى الفناء ، وإمّا أن يكون بسبب التلوّث بارتكاب الذنوب وحب الدنيا الشديد ، فلماذا يخاف الموت من يعتبره ولادة جديدة وبداية انتقال إلى عالم أوسع وحياة أرقى ، ومن يحمل في جعبته كميّة هائلة من الأعمال الصالحة إعداداً لسفره والذي ليس للدنيا في قلبه موضعٌ يعتنى به ؟ وقد أشار تعالى في الآية السادسة إشارة لطيفة لهذا الأمر ، قال تعالى : « قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَولِيَاءُ للَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ » ثم يضيف « وَلَا يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ » . وممّا يجدر بالالتفات هنا هو أنّ المخاطب في هذه الآية هم اليهود ، والسببب في ذلك على ما يبدو أمران : الأول : هو أنّ اليهود يعتبرون أنفسهم شعب اللَّه المختار دائماً - حتّى في يومنا هذا - ويتصورون أنّهم يمتازون عن الآخرين بصفات خيالية ، فهم يعتبرون أنفسهم أبناء اللَّه المختار تارةً ! وأحياناً إنّهم أولياؤه وأحبّاؤه : « وَقَالَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أبْنَاءُ اللَّهِ وَأحِبّاؤُهُ » . ( المائدة / 18 ) وأخرى ، يقولون : لن تمسنا النار أبداً مهما ارتكبنا من الذنوب إلّاأيّاماً معدودة : « وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلّاأَيَّاماً مَّعْدُودَةً » . ( البقرة / 80 ) فيجيبهم القرآن : إنْ كنتم صادقين في عقيدتكم هذه فلِمَ تخافون الموت بهذه الشدّة إذن ؟ فهل يخاف الخليل من لقاء خليله ؟ وهل يكون الانتقال من السجن إلى جنّة عامرة خضراء أمراً مخيفاً ؟ ! وجاء ما يشبه هذا المعنى في قوله تعالى : « قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ » ! ( البقرة / 94 ) والثاني : هو أنّهم كانوا يعبدون الدنيا وتعلّقت قلوبهم بعالمِ المادّة ، هذا بالإضافة إلى