الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
334
نفحات القرآن
لأنّ الآية تقول : « كُلُّ نَفْسٍ ذَائَقَةُ المَوتِ » ، ومعنى الذوق هو أنّ الروح باقية فتدرك الموت وتتذوّقه ، ويستفاد منها ثانياً : أنّ الروح هي غير الجسد ، وذلك لأنّها تبقى بعد موت الجسد . جاء في إحدى الروايات لمّا نزلت الآية الشريفة « كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ » . ( الرحمن / 26 ) قالت الملائكة : « مات أهلُ الأرض » وعندما نزلت الآية الشريفة « كُلُّ نَفْسٍ ذَائَقَةُ المَوتِ » قالت الملائكة : « متنا نحن أيضاً » « 1 » . بالرغم من أنّ كلمة « النفس » أطلقت أحياناً على اللَّه كما جاء في حديث عيسى عليه السلام عندما كان بين يدي اللَّه حيث قال : « وَلَاأعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ » . ( المائدة / 116 ) لكنّ التعبير ب « كل نفس » في الآية المذكورة يراد منه المخلوقات لا الخالق . 2 - حقيقة الموت يعتبر كثير من الناس الموت فناءً وعدماً ونهاية كلّ شيء ، لذا فهم يخافون الموت ويهابونه بشدّة ، بينما يفسّر القرآن المجيد حقيقة الموت ب « التوفّي » ( أي قبض واستلام روح الإنسان من قِبَلِ الخالق ) أو بتعبير آخر هو انتقال من عالم حقيرٍ إلى عالم كبير وَسامٍ ) ، قال تعالى في الآية الثانية : « اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حينَ مَوْتِهَا » « 2 » . ثم من أجل أن يذكر نموذجاً للموت في هذه الدنيا أضاف تعالى : « وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ في مَنَامِهَا » ، « فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا المَوتَ » أي التي لن تصحو من نومها بعد ذلك أبداً « وُيُرسِلُ الاخْرَى » أي التي يجب أن تستمرّ في حياتها « إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً » . إنّ هدف القرآن هو بيان هذه الحقيقة وهي : كما أنّ روحَ الإنسان لا تفنى في عالم النوم ، بل يضعف ارتباطها بالبدن بصورة مؤقتة ، ومن أجل هذا يمكنها التجوّل في عوالم مختلفة ، فإنّها لا تفنى أيضاً بالموت ، بل تتحرر وتتجوّل في عوالم كبيرة أخرى .
--> ( 1 ) التفسير الكبير ، ج 9 ، ص 125 . ( 2 ) الضمير في « موتها » وإن كان يعود للأنفس في الظاهر لكنّه في الواقع يدلّ على موت الأبدان ، وذلك لأنّ البدن هو الذي يموت لا الروح ، وكذلك الحال في ضمير « منامها » .