الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

335

نفحات القرآن

و « يتوفّى » : من مادة « وفى » وهي في الأصل بمعنى الكمال ، لذا أطلقوا على الدّرهم الكامل « درهماً وافياً » ( أي الكامل من حيث الوزن ومقدار الفضة ) على هذا يكون التوفّي بمعنى القبض التام ، وبما أنّ القابض هو اللَّه فإنّ هذه الجملة تدل على أنّ الإنسان سوف يضع قدمه في عالم أعلى وأرقى . إنّ هذه النظرة إلى الموت تغيِّرُ كثيراً من المعادلات والمفاهيم ، ومن أجل هذا عرّفوه ببوّابة العبور إلى عالم البقاء . ومن الجدير بالذكر هو أنّ الآية المذكورة تحذِّر الناس لأنّها تعتبُر « النوم » مساوياً « للموت » وكأنّها تقول : كيف تغفلون عن الموت وهو يأتيكم في كل يومٍ وليلة وأنتم تلمسونه بأيديكم ؟ ! إنّكم في حالة النوم تنفصلون عن هذا العالم وتفارقون حياتكم ومنصبكم ووجودكم بصورة مؤقتة ، فالموت أيضاً هو عبارة عن نوم خالد كما أنّ النوم هو عبارة عن موت مؤقت ، ومن المحتمل أن تكون الجملة الأخيرة في هذه الآية : « إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَومٍ يَتَفَكَّرُونَ » ناظرة إلى جميع هذه الحيثيات . 3 - ملائكة الموت بالرغم من أنّ الآية السابقة أسندت قبض الأرواح إلى اللَّه ، لكنّه يستفاد من آيات أخرى من القرآن إسناد هذا العمل إلى الملائكة ، ففي الآية الثالثة من آيات البحث وُجِّه الخطاب إلى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وامِر بأن يجيب على إنكار المشركين للمعاد بقوله تعالى « قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَّلَكُ المَوْتِ الَّذى وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ » . ومن الجدير بالذّكر هو أنّ الآية هنا تحدّثت عن ملك الموت ، الملك الذي اوكِلت إليه هذه المهمّة ، بينما لاحظنا في الآية السابقة إسناد القبض إلى اللَّه ، وفي الآية اسند القبض إلى مجموعة من الملائكة : « الَّذِيَنَ تَتَوفَّاهُمُ المَلَائِكَةُ » . ( الزمر / 42 ) كما أسند القبض إلى الرّسُل : « تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا » . ( الانعام / 61 )