الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

333

نفحات القرآن

الموجودات الحيّة ، بل هو أمرٌ حتّى بالنسبة للموجودات غير الحيّة ، قال تعالى : « كُلُّ نَفسٍ ذَائقَةُ المَوتِ » . وقد ورد هذا التعبير في ثلاث آيات في القرآن المجيد « 1 » ، والسبب في تكرار هذا الأمر هو التأكيد على حتمية الموت ، هذا بالإضافة إلى تحذير جميع البشر كي لا يغفلوا عن حتميّة هذه العاقبة . ولمّا كان الموت هو نافذة نحو عالم البقاء ، فقد أضاف تعالى على الفور : « وَإِنَّمَا تُوَفَّونَ اجُوْرَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ » ، وذلك للدلالة على أنّ الدنيا دار عملٍ ولا حساب ولا جزاء وإنّ الآخرة دار حساب وجزاء ولا عمل . وعلى الرغم من وجود إثابة محدودة في عالم الدنيا وعالم البرزخ ، لكنْ من البديهي هو أنّ لا يتمّ الحصول على الأجر والثواب الكامل إلّافي الدار الآخرة . وهناك احتمال آخر أيضاً وهو أنّ التعبير المذكور أعلاه يدلّ على أنّ المنقذ الوحيد للإنسان يوم القيامة هو أعماله الصالحة فقط ، لأنّ المال والجاه والمنصب والأولاد والعشيرة لا تعالج حتّى معضله واحدة من معضلات الإنسان ، وهذا التعبير يشبه ما جاء في سورة الشعراء : « يَومَ لَايَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلبٍ سَلِيمٍ » . ( الشعراء / 89 ) لكنّ التفسير الأوّل أقرب للصحة ، وقد انتخبه الكثير من المفسرين . إنّ الإنسان يمكنه أساساً أن يشك في كل شيء ، إلّاأنّه لا يمكنه أن يشك في تحقق الموت ، إنّ جميع أهل السماء والأرض سوف يموتون وسوف يبتلع الموت جميع الموجودات الحيّة ، فالجميع من دون أيّ استثناء لهم اجلٌ ونهاية معينة لا تتأخّر عن موعدها لحظة واحدة ، أمّا بالنسبة لدعاء الناس لبعضهم أو لحكّامهم بالخلود فما هو إلّا مجاملة خالية من أيّ محتوى ، فأيّ خلودٍ هذا ؟ وأَيُّ بقاء ؟ إنّ الأنبياء جميعاً مرّوا بهذه المرحلة ، والجميع من دون استثناء عبروا هذا الممر . ويستفاد من هذه الآية بالإضافة إلى ذلك ، أولًا : أنّ روح الإنسان لا تموت بموته ، وذلك

--> ( 1 ) آل عمران ، 185 ؛ الأنبياء ، 35 ؛ العنكبوت ، 57 .