الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

319

نفحات القرآن

أو على تكرار أعمال السوء ، كي تظهر هذه الأعمال بمظهر حسن في نظر الإنسان وتُسْلَبُ منه قوّة التمييز بين الحسن والقبيح . أمّا إذا اسند التزيين إلى حب الهوى أو إلى الشيطان فذلك لأنّ هذين هما العلّة القريبة والمباشرة في تزيين الأعمال السيئة . وأمّا لو اسند التزيين إلى الفاعل المجهول فذلك للدلالة على أنّ طبيعة إنكار القيامة أو الاصرار على ارتكاب السيئات ، تقتضي اعتياد الإنسان على تلك الأعمال أولًا ، ثم تصبح تلك الأعمال محبوبة لديه وتلبس ثوب الحسن في نظره . ومن البديهي أنّ تزيين الأعمال يجّر وراءه الضياع الدائم والحيرة المستمرّة في وادي الضلالة والانحراف ؛ وذلك لأنّ الإنسان لا يكف عن ممارسةِ عمل ما إلّاإذا ما وجده سيئاً وَيُلحق به الأذى . ويتضح ممّا قلناه أعلاه أنّ من فسّر الآية بأنّ اللَّه يُزيّن أعمال هؤلاء في نظرهم ، فيصيبهم الغرور فيبتلون بالضياع ، أنّ تفسيره غير مناسب ، ومن المحتمل إنّ هؤلاء اتجهوا إلى هذا التفسير بسبب عدم تمكنهم من حل مغزى ما جاء في الآية من نسبة التزيين إلى اللَّه ، ففسروها بهذا التفسير المخالف للظاهر . وفي الآية الثانية عشرة والأخيرة من الآيات المعنية بالبحث توجّه تعالى بالخطاب إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال : « وَإِذَا قَرَأْتَ القُرَآنَ جَعَلْنْا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَايُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّستُوراً » ، ثم أضاف تعالى : « وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِى آذَانِهِمْ وَقْراً » . وهنا أيضاً نواجه مسألة « تعليق الحكم على الوصف » أي أننا نرى أنّ مسألة وجود الحجب المعنوية بين النبي صلى الله عليه وآله والمشركين وإسدال الحجب على القلوب وانسداد آذانهم تَرَتّبتَ على وصفهم بعدم الإيمان بالآخرة ، وهذا يدل بوضوح على أنّ عدم الإيمان بالمحكمة الكبرى يؤدّي إلى ظهور هذه الحجب والابتعاد عن إدراك الواقع ، ودليل ذلك