الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

320

نفحات القرآن

واضح وهو : إنّ عدم الاكتراث بالحساب وجزاء الأعمال يؤدّي بالإنسان إلى ركوب مركب الغرور والأنانية والعناد والتعصّب وعبادة الهوى ، ففي مثل هذه الحالة كيف يتمكّن من أن يرى الحقائق كما هي ويؤمن بها . فهل يوجد حجاب أسوأُ من حجاب الهوى ، وهل يوجد مركب أسوأُ من مركب الأنانية والغرور ؟ قال بعض المفسّرين : إنّ المراد من « الحجاب المستور » هو حجاب وجدار غير مرئي كان يحجب النبي الأكرم صلى الله عليه وآله عن أنظار المشركين ، حين تلاوته للقرآن كي لا يرونه ليكف عنه أذاهم ، وقد روي في سبب نزول الآية ما يشابه ذلك أيضاً . لكنّ ظاهر الآية ينافي هذا التفسير ؛ وذلك لأنّ ظاهرها يدل على أنّ هذا الحجاب يمنع من فهم وإدراك الحقائق واللطائف القرآنية ، بناءً على هذا يجب القبول بأنّ المراد من هذا « الحجاب المستور » هو تلك الحجب المعنوية ، التي تمنع عيون وآذان وقلوب المشركين عبّاد الهوى الأنانيين المتعصبين من إدراك وفهم المعارف القرآنية السامية . وهذا هو ما أشارت إليه الآيات المتعددة ، والذي بحثناه مفصلًا في الجزء الأول من هذا الكتاب تحت عنوان « حُجُب المعرفة » « 1 » . وجاء في ما يقارب هذا المعنى أيضاً في قوله تعالى : « فَالَّذِينَ لَايُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُّنكِرَةٌ وَهُمْ مُّستَكْبِرُونَ » . ( النحل / 22 ) فهنا أشير أيضاً إلى أنّ « عدم الإيمان بالآخرة » هو من عوامل « إنكار الحق والمكابرة » . ثمرة البحث : اتّضح من خلال ما جاء في الآيات الإثنتي عشرة الآنفة الذكر ( والآيات المشابهة ) أنّ

--> ( 1 ) وصف « الحجاب » ب « مستور » يستخدم أحياناً في معناه الظاهري ، أي « الحجاب اللامرئي » وأحياناً قيل : إِنّ اسم المفعول هنا جاء بمعنى اسم الفاعل فمستور هنا جاء بمعنى ساتر .