الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

315

نفحات القرآن

إنكار يوم الجزاء هو المنبع الرئيسي لهذه الأعمال السيئة والمشؤومة ، فهو لا يحرم الأيتام فحسب ، بل يمنعهم بغلظة وشدّة ، ولا يكف نفسه عن اطعام المساكين فحسب ، بل يدفع الآخرين أيضاً على الكف عن اطعامهم ، ويقف حائلًا دون تصدّق الآخرين عَليهم ، وذلك لأنّه لا يخاف عاقبة سوء أعماله . إنّه لا يؤمن بمحكمة العدل الإلهيّة ولا يؤمن بالحساب والثواب والعقاب ، فهو لا يعتقد إلّا بالحياة الدنيوية المحدودة والأمور المادية فقط ، لذا فهو مشغوف بحبها ولا يفكّر بسواها . وجملة « أَرأَيتَ » مأخوذة من مادة « الرؤية » ، ويحتمل دلالتها على الشهود العيني أو على الشهود اللّبي ، وهي بمعنى العلم والمعرفة ، وعلى أيّة حال فالآية تفيد هذا المعنى وهو : إنّك إنْ لم تعرف من ينكر يوم الجزاء فهم يحملون علائم واضحة ، إحداها أنّهم قساة القلوب ولا يرحمون اليتيم ، والأخرى أنّهم لا يَعبأون بحال المعدمين ، فبهذه الصفات السيّئة يمكنك تمييزهم بوضوح ، وتلمسُ حقيقة غيابِ الإيمان بالمعاد في وجودهم . وقد ذكر المفسرون أسباباً عديدة في نزول هذه الآيات ، منها : إنّ هذه الآيات نزلت في شأن ( أبو سفيان ) ، فإنّه كان يذبح في كل أسبوع اثنين من الإبل ( لكنّه كان يحتفظ بها لنفسه وذويه ) ، فجاءه في أحد الأيّام فقير يطلب منه شيئاً ، فدفعه أبو سفيان بعصاه إلى الخلف ( فنزلت هذه الآية إِثر تلك الحادثة ) . ونقل الفخر الرازي عن « الماوردي » أَنّ هذه الآية نزلت في شأن ( أبو جهل ) ، فأبو جهل كانت له وصاية على أحد الأيتام ، فجاءه اليتيم وهو عريان ، وطلب من أبي جهل أن يمدّه بشي من أمواله ، لكن أبا جهل طرد اليتيم بعنف ، فقال وجهاء قريش لليتيم اليائس : اطلب من محمد أن يذهبَ إلى أبي جهل فيشفع لك عنده ، وكانوا يريدون بذلك الاستهزاء والسخرية ، فتوجَّهَ الطفل إلى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وهو لا يعلم الهدف من كلام وجهاء قريش ، وطلب من النبي صلى الله عليه وآله أن يشفع له عند أبي جهل ، وكان من عادة النبي صلى الله عليه وآله أن لا يردّ طلب محتاج أَبداً ، فقام صلى الله عليه وآله فاصطحب الطفل وذهب إلى أبي جهل ، وعندما وقع نظر أبي جهل على النبي صلى الله عليه وآله رحّب به ( وقد ملأ وجوده العجب ) ، ثم أعطى اليتيم مالًا كثيراً ، بعد ذلك وجَّهَ