الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

316

نفحات القرآن

وجهاء قريش اللوم لأبي جهل على فعله ، وقالوا له أملكك حبُ محمدٍ يا أبا جهل ؟ فقال كلًا واللَّه إنّ حبّه لم يدخل قلبي ، لكنني شاهدتُ حراباً على يمينه وشماله فخفت إنْ لم البِّ دعوته أن تمزقني تلك الحراب « 1 » ! . وعلى أيّة حال فإنّ دلالة الآية على تأثير الإيمان بالمعاد على سلوك الإنسان ظاهر بكل وضوح . وفي الآية العاشرة طُرِحت نفس هذه المسألة أي العلاقة بين « الإيمان بالحياة بعد الموت والحساب والجزاء والقيامة » وبين « أعمال الإنسان في هذه الدنيا والمسائل المتعلّقة بالتربية » ولكن بنحوٍ آخر ، قال تعالى : « بَلْ يُريدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْئَلُ أَيَّانَ يَومُ القِيَامَةِ » . وَهل يمكن للإنسان الذي يؤمن بعظمة اللَّه ، وقدرته على خلق جميع هذه الأجرام السماوية والمجرّات والعوالم العجيبة ، أن ينكر قدرته على احياء الموتى ؟ ! بناءً على هذا لا يكون الهدف من انكار هذا الإنسان إلّاالتحرر من القيود من أجل اشباع جميع غرائزه ، وليبسط يديه في الظلم وهتك حدود العدالة وارتكاب الذنوب ، أنّه يريد أن يخدع نَفسهُ بهذا الأسلوب حتى تصل به القناعة المزيّفة بأُسلوبه هذا حدّاً يجعله يخلق الاعذار والتبريرات لإخفاء قباحة أعماله عن أنظار الناس ، إنّه يريد أن يحطّم السدّ العظيم الذي أوجده الإيمان بالمعاد للمنع من ارتكاب أي نوع من المعصية ، وهذا الأمر لا يختص بالزمان الماضي ، فاليوم كالأمس أيضاً . لهذا ذُكِر في البحوث المتعلّقة بالدوافع نحو التمايل إلى الماديّة وإنكار المبدأ والمعاد ، أنّ إحدى تلك الدوافع هو الهروب من عِبءِ المسؤوليات وتجاوز السنن الإلهيّة وخداع الوجدان الإنساني .

--> ( 1 ) تفسير الكبير ، ج 32 ، ص 111 ؛ وتفسير روح البيان ، ج 10 ، ص 522 .