الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
245
نفحات القرآن
فالآية الأولى تجيب بصراحة عن هذا السؤال وتقول : « يُحْيِيهَا الَّذِى انْشَأَهَا اوَّلَ مَرَّةٍ » . وجملة « يُحييها » تدل على احياء الأجسام بكل وضوح ، ولو لم يكن في القرآن الكريم إلّا هذا التعبير لكان وافياً في إثبات هذه المسألة ، مع أنّنا ذكرنا آنفاً بأنّ هناك مئآت الآيات التي وردت للدلالة على إعادة الأجسام . وممّا تجدر الإشارة إليه هو أنّ الآية المذكورة تؤكّد على احياء نفس هذا « الجسم المؤلف من العناصر المادية » ، لا جسم آخر مشابه له أو جسم برزخي ونصف مادي . والآية الثانية أبطلت ادّعاء أولئك الذين يرون أنّ اللَّه لا يعيد عظام الإنسان فقالت بكل وضوح : إننا لا نعجز عن إعادة الإنسان مرّة أخرى « بَلَى قَادِرِينَ عَلَى انْ نُّسَوِّىَ بَنَانَهُ » . ووضوح هذه الآية في الدلالة على المعاد الجسماني ممّا لا يشوبُهُ أيّ ريب . وأشارت الآية الثالثة إلى مجادلة قوم « 1 » ثمود لنبيهم صالح ، إذ قالوا في محاورتهم وهم يقرّعون نبيّهم : « ايَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ اذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً انَّكُمْ مُّخْرَجُوْنَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوْعَدُونَ » . فهذه التعبيرات تشير إلى أنّ نبي هؤلاء القوم وهو صالح أو هود عليه السلام كان يعدهم بأنّ أجسامهم سوف تعاد يوم القيامة ، إلّاأنّهم عارضوه بشدّة وأخيراً ابتلاهم اللَّه بعذاب شديد وأهلكهم عن آخرهم بسبب تكذيبهم ( كما دل على ذلك ما ورد في هذه الآيات من سورة الحج ) . وفي الآية الرابعة كان الحديث عن « أصحاب الشمال » وقد كرر القرآن ذكر هذا المعنى فقال : « وَكَانُوا يَقُولُونَ ءَاذَا مِتْنا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً ءَانَّا لَمَبعُوثُونَ » . وهذا الذم العنيف في الواقع جاء دفاعاً عن هذه الحقيقة وهي أنّ العظام التي أصبحت تراباً سوف تلبس ثوب الحياة ثانية . والآية الخامسة والأخيرة تحدثت عن جميع الكفار أيضاً ، قال تعالى : « ذَلِكَ جَزَاوُهُمْ
--> ( 1 ) لم يصرّح في الآية المذكورة باسم القوم أو اسم نبيهم ، فالبعض يرى أنّ هؤلاء هم قوم ثمود ( قوم صالح ) والبعضالآخر يرى أنّهم قوم عاد ( قوم هود ) ، ولكن بالالتفات إلى نوع العذاب ( وهو الصيحة ) الذي ذكرت في ذيل الآية فإنّه من المناسب أن يكونوا هم قوم ثمود .