الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
146
نفحات القرآن
الأعلى في حالته الطبيعية يتغيّر وضعه فجأة ويتدلّى رأسه إلى الأسفل ، وذلك لإعداده للولادة الطبيعية وفي نفس الوقت ترتخي عضلات الأُمِّ الموجودة في طريق الولادة وتتهيأ لوضع هذا المولود ، ثم يحصل ضغط على الجنين من جميع أنحاء الرحم كي يتيسّر عليه طريق الخروج من الرحم ، بعد ذلك يتمزّقُ فجأة الكيس المملوء بالماء الذي كان يسبح فيه الجنين أيّام الحمل العاديّة فيترطّب مسير الخروج المعدّ للمولود ، وخلاصة الكلام إنّ جميع الأمور تُعدّ وتتيسرُ له من أجل دخوله إلى دنيا جديدة . ومن جهة أخرى أودعه اللَّه العقل وأنواع الغرائز ، وكلّ واحد من هذه الأمور يفتح أمامه طريق الحياة . ومن ناحية أخرى أرسل إليه الرسل والكتب السماوية كي يتيسر له سبيل الطاعة وعبادة اللَّه وطريق سعادته . إضافة إلى ذلك دلّ هذا التعبير على أنّ الإنسان خُلِقَ مريداً ومختاراً في تصرفه ، لأنّه تعالى لم يقل وسلكناه السبيل بل قال يّسرنا له السبيل ، فهو مختارٌ في سلوكه . وفي الآية الخامسة والأخيرة إشارة إلى مراحل تكامل الجنين أيضاً بصورٍ مفصّله ، بل جاء هنا بتفاصيل أكثر ممّا جاء في جميع الآيات التي تحدثت عن ذلك ، فتعرضت هذه المرّة إلى جزئيات دقيقة ، قال تعالى : « وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاه نُطفَةً في قَرَارٍ مَّكِينٍ ( الرحم ) * ثُمَّ خَلَقْنَا النٌّطْفَةَ عَلَقَهً ( دم متخثر ) فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً ( تَشْبَهُ اللحم الممضوغ ) فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَونَا العِظَامَ لَحْماً » . وبعد أن بيّن المراحل الخمس ( النطفة والعَلَقةَ والمضغة والعظام واللحم ) أشارَ إلى امرٍ آخر والذي يعتبر من أهمّ المراحل وهو مرحلة نفخ الروح الإنسانية ، فقال تعالى : « ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ » « فَتَبَارَكَ اللَّهُ احْسَنُ الْخَالِقِينَ » . وجملة « فكسونا العظام لحماً » لم تُذكر ضمن مراحل تكامل الجنين إلّافي هذه الآية