الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

147

نفحات القرآن

التي كشفت الستار عن أهميّة خلق العظام . ولقد ثبت حديثاً بأنّ العظام لا تكون هيكلًا لحفظ استقامة البدن وحفظ أعضاء الإنسان فحسب ، بل إنّ في عهدتها أَهمَّ الوظائفِ الحياتية والبايلوجية للبدن . فالعظام تحتوي على جميع ما يحتاجه الجسم من قبيل الفسفور والكالسيوم والأملاح الأخرى التي تنظم الأعمال الحياتية لجسم الإنسان وضربات القلب وتقويم حركة العضلات ، والأهمُّ من ذلك أن‌ّالعظام تُقدِّم للجسم ما يحتاجه من كريات الدّم الحمر والبيض طيلة عمر الإنسان ! ويكفينا أن نعلم بأنّ في الدقيقة الواحدة تموت ما يقارب 180 مليون كرية حمراء وأنّ العظام تملأ الفراغ الحاصل من موت هذه الكريات بواسطة كريات جديدة ونشطة ! « 1 » . والجدير بالذكر أنّ بعض المفسرين قالوا : ثبت حديثاً أنَّ أوّل ما يظهر في الجنين هي خلايا العظام ، ثم خلايا اللحم ، وهذه الحقيقة رفع القرآن الستار عنها قبل أربعة عشر قرناً عندما لم يكن لأحد علم بها « 2 » . والتعبير ب « الكسوة » عن اللحم هو تعبير جميل وجذّاب ، فالملابس تُجمِّل جسم الإنسان وفي نفس الوقت تحفظه من اضرار مختلفة ، والعضلات كذلك فلو عُدِمَت وبقيت العظام لوحدها فما أقبح منظرها ! ومن ناحية أخرى إنّ العظام تتأثّر بأدنى ضغط يرد عليها من أىّ جانب وتصاب بعطبٍ كبير جرّاءَ ذلك ، والذي يحفظ العظام تلك الكسوة التي هي العضلات . وهذا التعبير : « ثُمَّ أَنْشَأنَاهُ خَلْقاً آخَرَ » الذي ورد ذكره بعد مرحلة تكامل الجنين لم يأتِ إلّا في هذه الآية من القرآن ، وهذا البيان العجيب وإن كان قد ذُكِرَ سابقاً إلّاأنّه يختلف كثيراً عن ذلك ، ذلك لأنّه سمّي هنا « خلقاً آخر » ، حيثُ يرى أكثر المفسرين أنّ هذه الجملة جاءت للدلالة على خلق الروح ، لأنّنا نعلم بأنّ الجنين من يومه الأول وحتى يبلغ ما يقارب

--> ( 1 ) قرآن برفراز اعصار ، ص 187 . ( 2 ) تفسير في ظلال القرآن ، ج 6 ، ص 16 .