الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

115

نفحات القرآن

وهناك احتمالان في المراد من نسيان الخلق في هذه الآية ، الاحتمال الأول : إنّ الإنسان نسيَ خلقه الأول الذي بدأ من نطفة حقيرة وقطرة ماءٍ مهين ثم بدأ يتردّدُ ويشكك بقدرة اللَّه على الإحياء الجديد . والاحتمال الثاني : إنّ هذه الآية تشير إلى خلق آدم من التراب ، وكأنّها تريد أن تقول : ألم نخلق الإنسان من تراب في بادئ الأمر ؟ فكيف يكون من المحال تكرار هذا الأمر ؟ وذلك لأنّ « حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد » . ومن اليديهي أنّ « النسيان » هنا إمّا جاء بمعنى النسيان الحقيقي الواقعي أو تنزيل الشخصِ منزلة الناسي وإن لم يكن في الواقع كذلك ، وذلك لأنّه لم يعمل وفق علمه بل اتّخذ موقفَ المُنكِرِ « 1 » . وفي الآية الثانية أشير إلى هذه الحقيقة ببيانٍ آخر ، فقد قال تعالى في جواب منكريالمعاد : « أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ » ؟ حتى نعجز عن خلقه مرّة أخرى . ثم يضيف تعالى : إنّ هؤلاء لم يشكوا في قدرة اللَّه تعالى على الخلق الأول ، بل ترددوا وشككوا بالاحياء المجدد بسبب غفلتهم ونسيانهم أو بسبب تعصبهم وعنادهم أو أنّهم اعتادوا على ما يشاهدونه في حياتهم أنّهم لم يروا أحداً خرج من قبره حياً بعد موته : « بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّن خَلْقٍ جَدِيدٍ » . وهكذا ورّطوا أنفسهم في تناقضٍ واضح لا يجدون له مخرجاً أبداً . « عيينا » : من مادة « عَيّ » تأتي أحياناً بمعنى العجز وعدم القدرة وأحياناً بمعنى التعب والألم ، وقد جاءت هنا على المعنى الأول ، أي أننا لم نعجز عن الخلق الأول . والمراد من « الخلق الأول » إمّا الإيجاد الأول لكل إنسان أو يختص بخلق آدم ، وأمّا ما احتمله بعض المفسرين من أنّ المراد من الخلق الأول هو خلق عالم الوجود فإنّه لا يتناسب مع بحثنا .

--> ( 1 ) جاء هذان الاحتمالان في تفسير روح المعاني ، ج 23 ، ص 50 .