الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
116
نفحات القرآن
و « لبس » : على وزن « حَبْس » في الأصل بمعنى ستر الشيء واللباس سُمّيَ بذلك لأنّه يستر ويغطّي البدن ، أمّا الراغب فإنّه يرى أنّه يستعمل في الأمور المعنوية أيضاً ، فيدلّ على ستر الحقائق ، وفي الآية المعنية جاءَ هذا المعنى ، أي أنّ أمر المعاد هو حقيقة التبست عليهم . وفي الآية الثالثة نلاحظ تعبيراً آخر في هذا المجال ، هو إجراء المقارنة بين « مبدأ » الحياة و « المعاد » ، قال تعالى : « وَهُوَ الَّذِى يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ » . فسّر عدد من المفسيرين جملة « يبدأ » على أنّها تدل على الماضي ، أيْ أنّ اللَّه تعالى بدأ الخلق ، لكن ما هو المانع من تفسير « يبدأ » بمعناه الحقيقي بما أنّه فعل مضارع ؟ وبما أنّ الفعل المضارع يدل على الاستمرار فيكون معنى الآية هنا : « إنّ اللَّه يخلق ويعيد على الدوام » أي أنّ عالم الوجود هو عبارة عن تكرار الحياة والموت واستمرار المبدأ والمعاد ، فعلى هذا الأساس لا يمكن الشك في إمكان وقوع المعاد . فعالمنا يموت ويحيى ويخلق من جديد باستمرار ، ومن هنا تكون الإعادة إلى حياة جديدة أمراً غير مستغرب ، فيكون هذا جواباً دقيقاً وجميلًا للجاحدين . وجملة « وهو أهون عليه » تُبين هذا المفهوم ، وهو : أنّه لا يوجد في قاموس القدرة الإلهيّة المطلقة واللامحدودة أي معنى للسهل والصعب فكل شيء لديه سهل يسير ، ولا فرق بين قلع جبل من أعظم جبال العالم من مكانه وبين رفع قشة صغيرة ، وخلق منظومة شمسية وخلق ذرة من تراب ، لأنّ السهل والصعب في مقابل القدرة الإلهيّة لا معنى له ، طبعاً بالنسبة لنا أصحاب القدرة المحدودة ، فإنّ رفع حجر صغير أمر سهل أمّا رفع حجر كبير يعد من المصاعب . فما هو المراد من قوله « أهونُ » ؟ هل هناك شيء صعب عليه وآخر أهون منه مع أنّ قدرته واحدة بالنسبة لجميع الأشياء ؟ وقد أجاب المفسّرون عن هذا السؤال بعدّة أجوبة فقالوا : إنّ أفضل جواب هو أنّ هذا