الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
114
نفحات القرآن
4 - « اوَلَمْ يَرَوَا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ » . ( العنكبوت / 19 ) 5 - « كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ » . ( الأعراف / 29 ) جمع الآيات وتفسيرها من يحيي العظام وهي رميم ؟ ! تبدأ الآية الأولى بسرد القصة المعروفة للرجل المشرك وهو إمَّا « ابَي بن خلف » أو « العاص بن وائل » أو « اميّة بن خلف » الذي جاء يحمل بيده عظماً رميماً وهو يقول سأذهب وأخاصم محمداً صلى الله عليه وآله بهذا الدليل القاطع ! وابطلُ ما جاء به عن المعاد ! فذهب إلى النبي صلى الله عليه وآله ونادى قائلًا : « من الذي يحيي هذا العظم الرميم ؟ » ومن يصدق هذه الدعوى ؟ ومن المحتمل أنّهُ من أجل التأكيد على خطابه سحق جزءاً من ذلك العظم ونثره على الأرض : « قَالَ مَنْ يُحْىِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ » . وبعد وقوع تلك الحادثة خاطب القرآن النبي صلى الله عليه وآله ( في خمس آيات ) وأمره أن يجيب على هذا الرجل وأمثاله بقوّة ومن طرق متعددة إحداها الإشارة إلى الخلق الأول وقد بينها القرآن بعبارة وجيزة ولطيفة جدّاً ، قال تعالى : « ونَسِىَ خَلْقَهُ » ! ثم قام تعالى بشرحها فقال : « قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِى أَنْشَأَهَا اوَّلَ مَرَّةٍ » فإن كنت تتصور أنّ العظام بعد أن تبلى وتنشر كل ذرّة منها في ناحية فإعادة جميع الأوصاف الأولى إليها أمرٌ محال حيث لا يوجد أحدٌ يحيط بها علماً ، فإنك في ضلالٍ بعيد ، لأنّ اللَّه تعالى الذي خلق كل شيء : « وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ » . و « أنشأها » : من مادة « انشاء » بمعنى الإيجاد والهداية وهي هنا كأنّها إشارة لهذه الحقيقة وهي أنّ الذي خلقها في البداية من لا شيء فإنّه من الأَولى أن يتمكن من خلقها مرّة أخرى من التراب .