الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
105
نفحات القرآن
الإنسان العاقل لا يتحدث بمثل هذا ! والآية الثانية تصور الأسلوب الخشن ، المعاندَ والأكثر غروراً للمشركين في قوله تعالى : « وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً » ( لانّه يدعّي أنّ هذا الخبر من اللَّه ) « أَمْ بِهِ جِنَّةٌ » ( فكلامه كلام المجانين ) ( والعياذُ باللَّه ) . هكذا كان يتصور هؤلاء بأنّ أخبار النبي الأكرم صلى الله عليه وآله عن المعاد الجسماني ناتج عن أحد أمرين فكانوا يقولون : إمّا أن يكون هذا الرجُل عاقلًا وفطناً لكنّه من أجل الطموحات الشخصيّة نَسَبَ هذه الأمور إلى اللَّه كذباً كي يجمع الناس حوله ، وإمّا أن لا يكون لديه غرض شخصي ولكنّه ( والعياذ باللَّه ) أصيب بالجنون ! وإلّا فإنّ العاقل لا يمكن أن يقول بأنّ العظام البالية والتراب المنثور الذي ركبت ذرّاته أمواج الرياح وذهبت في كل صوب أن تجتمع يوماً وتحيى من جديد ! إنّ هؤلاء الحمقى المغرورين الذين لم يذكروا النبي إلّابعنوان « رجُل » وبصيغة نكرة قد نسوا نشأتهم الأولى بالمرّة وخيّمتْ على بصائرهم حُجب الجهل فمنعتهم من مشاهدة مصاديق المعاد في حياتهم اليومية ، وسوف نتطرق للبحث في هذا المجال بإذن اللَّه بعد ذكر هذه الآيات . و « مُزِّقْتُم » : من مادة « تمزيق » بمعنى الشّق والتقطيع ، وجاءتَ هنا للدلالة على تحلل الإنسان وتناثرِ عناصره واختلاطها بالتراب والماء والهواء . وفي الآية الثالثة نجد تعبيراً جديداً في هذا المجال ، قال تعالى : « وَقَالُوا ءإِذَا ضَلَلْنَا فِى الْأَرْضِ ءَإِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ » . التعبير بالضلال في الأرض يكون تارةً للدلالة على تحول أعضاء جسم الإنسان إلى تراب بحيث تكون كالأرض ، وتارةً أخرى للدلالة على تشتتها في مناطق متوارية من العالم على نحوٍ لا يمكن تمييزها أبداً . بهذا الأسلوب كانوا يريدون أن يثبتوا بأنّ عودةً كهذه أَمرٌ محال جدّاً ! بينما قد تحقق