الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

8

نفحات القرآن

على أحد كمالات ذاته المقدّسة ، فذاته غير محدودة وكمالاته غير محدودة كذلك ، ومن البديهي أنّ الصفات الكماليّة والأسماء التي تحكي عنها لا حصر لها أيضاً ، لكن مع ذلك فإنّ قسماً من هذه الأسماء والصفات تعدّ أصولًا ، وما سواها فهو فرعٌ من تلك الأصول . فمثلًا كون اللَّه سبحانه وتعالى « سميعاً » و « بصيراً » ، فهذا يُعد فرعاً من علمه عزّ وجلّ ، لأنّ المقصود هو اطلاعه على المسموعات والمشهودات لا امتلاكه للعين والاذن . وكذلك كونه تعالى « أرحم الراحمين » و « أشدّ المعاقبين » ، فهذه متفرّعة من حكمته ، وذلك لأنّ الحكمة هي التي تقتضي أن يرسل رحمته في مكانٍ ونقمته في مكانٍ آخر . طريقٌ مملوء بالورود والأشواك : إنَّ من السهل معرفة اللَّه وإدراك وجوده عزّ وجلّ - وخاصةً عن طريق التفكُّر بعالم الوجود - ، ولكن بقدر ما تكون معرفته تعالى سهلةً ، فإنّ فهم وإدراك صفاته صعب للغاية ، وذلك لأنّنا نمتلك في مرحلة إدراك وجود اللَّه أدلّة بعدد نجوم السماء وأوراق الأشجار وأنواع النباتات والحيوانات ، بل بعدد خلايا كل نباتٍ وحيوان ، وبعدد ذرات الكون ، وكلّها تدل على أصل وجوده عزّ وجلّ . وبما أنّ سلوك الطريق الصحيح المتمثّل بتنزيهه عزّ وجلّ عن صفات مخلوقاته وترك تشبيهه تعالى بمخلوقاته هو الشرط الأول في معرفة صفاته ، فإنّ الأمر يصبح معقداً . والدليل على ذلك واضحٌ أيضاً ، فقد ترعرعنا في أحضان الطبيعة وتطبّعنا بطباعها ، وكل ما رأيناه وسمعناه ينحصر في إطار الحوادث الطبيعيّة ، وهذه الطبيعة بذاتها أعانتنا على معرفة اللَّه أيضاً . ولكننا عندما نصل إلى بحث صفاته تعالى ، فإننا لا نجد حتّى صفة واحدة من صفاته يُمكن قياسها ومقارنتها بما رأيناه وسمعناه ، وذلك لأنّ صفات المخلوقين ينقصها الكمال دائماً ، وصفاته عزّ وجلّ منّزهة عن أي نقصٍ وهي عينُ الكمال .