الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
60
نفحات القرآن
لو أردنا أن نشرح هذا الدليل بشكل بسيط نقول : بأنّ نظام موجودات الكون يدلّ على أنّها - الموجودات - خلقت وفق خطة وأهداف معينة وبرنامج دقيق ، وعليه فإنّ خالق هذه الموجودات يعلم بجميع أسرارها حتى قبل خلقها . ولو التفتنا إلى مسألة ديمومة واستمرار خلق اللَّه ، وأنّ جميع الممكنات مرتبطة مع واجب الوجود في الوجود وفي البقاء ، وفيض الوجود يفيض من ذلك المبدأ الفيّاض على المخلوقات في كل آن ، لأدركنا بأنّ علمه وإحاطته بجميع موجودات عالم الوجود دائم وسرمدي وفي كُل مكان وزمان ، فتأمل . والجدير بالالتفات هو أنّ الآية ابتدأت باستفهام استنكاري ، فهي تطلب الإجابة من سامعها ، أي أنّ الموضوع بدرجة من الوضوح بحيث إنّ كل من يراجع عقله ووجدانه يعلم أو يدرك بأنّ الخالق لأيشيء خبير به حتماً « 1 » . و « لطيف » : من ماة « لطف » ، وهو هنا بمعنى خالق الموجودات اللطيفة والأشياء الظريفة والدقيقة جدّاً ، أو بمعنى من أحاط بها علماً . وقالوا أيضاً في معنى الخبير : بأنّه من يعلم بالأسرار الخفية ، ووصفه تعالى بهاتين الصفتين تلويح عن علمه بأسرار الكون ورموزه الخفية . والجدير بالملاحظة هو أنّ اللَّه قد خاطب الناس قبل هذه الآية فقال : « وَأَسِرُّوا قَوْلَكُم أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ » . ( الملك / 3 ) ثم طرح الاستدلال المذكور أعلاه لإثبات هذه القضية . وعليه فإنّ الاستناد إلى هذه الآية في الاستدلال على إثبات علم اللَّه سبحانه يدلّ على أثرها التربوي أيضاً . يتّضح ممّا قِيل حول تفسير هذه الآية بأنّ مفهومها واسع جدّاً ، وينبغي أن لا تحدد بعلم اللَّه بأعمال الناس ونيّاتهم وعقائدهم فحسب ، بل هي في الحقيقة دليل كُلي ومنطقي على علم اللَّه ، وقد جاءت لتوضيح جانب تربوي معين .
--> ( 1 ) الاستفهام الاستنكاري يعطي معنى النفي ، ووجود لا النافية في الآية يصبح نفي النفي إثبات .