الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
61
نفحات القرآن
ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام و . . . : تناولت الآية التاسعة مسألة سعة علم اللَّه سبحانه ، حيث جسمت هذه المسألة أمام نظر الجميع بالأعداد والأرقام حيث قالت : « وَلَوْ أَنَّمَا فِى الأَرضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقلَامٌ وَالبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » . قد وردت في سورة الكهف آية مشابهة لهذه الآية مع فارق بسيط ، فلنبدأ بالاحصاء هنا ولنتأمل قليلًا لنرى هل من الممكن أن نحصل على عشرات الأقلام من شجرة واحدة تكفي - الأقلام التي حصلنا عليها من عدد من الأشجار - لكتابة جميع علوم الإنسان المدونة في آلاف الكتب منذ آلاف السنين ولحد الآن ؟ من المحتمل أننا نحتاج لحل هذه المعضلة إلى حوض من الحبر بحجم المسابح الصغيرة . فلْنتصّور إذن المقدار الخيالي لجميع الغابات والأشجار في جميع البساتين ، والكثير من البراري والجبال ولْنتصور ملايين الأمتار المكعبة من مياه المحيطات والبحار ، الذي يبلغ ثلاثة أرباع حجم الكرة الأرضية ، بعمقه الكبير ، ثم نضيف على هذا الرقم الخيالي سبعة أمثاله ( هذا إذا اعتبرنا العدد 7 يدلّ على نفس العدد لا على قصد الكثرة ) لنتج لنا رقما خيالياً عجيباً ! فأي علم يحيط به ؟ والأكثر من هذا أنّ القرآن الكريم يقول : إنّها جميعاً تنفد ولا تنفد كلمات اللَّه ، فهل يوجد تعبير أقوى وأبلغ من هذا التعبير الدال على لامحدودية علم اللَّه ؟ فذكر الأعداد والأرقام ، وإضافة الأصفار إلى جانب عدد معين لا يمكنه أن يعكس عظمة ذلك العدد ، فكأنّ الأعداد جامدة لا قيمة لها ، لكن العدد الذي ورد في هذه الآية ، كناية عن اللا نهاية هو عدد محسوس وناطق وغني . أمّا كلمة « البحر » فنظراً لكون الألف واللام الموجودة فيه تدلّ على العموم في مثل هذه الحالات ، لذا فهي تعم جميع البحار الموجودة على سطح الأرض . وبغض النظر عن ذلك فإنّ جميع بحار الأرض متصلة مع بعضها ، فهي تعتبر بحراً واحداً ويصحّ استعمال صيغة المفرد فيها .