الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
59
نفحات القرآن
والحبّات التي تنقلها الرياح من مكان إلى آخر ، وكذلك يعلم بما يعرج إلى السماء من الملائكة وأرواح الناس ، وأنواع الطيور والغيوم التي تتكوّن من مياه المحيطات والبحار ، وبالتالي فهو سبحانه قد أحاط علماً بأدعية وأعمال الناس التي تعرجُ إلى السماء . ولو أمعنا النظر في هذه الحقيقة أي بأنواع الكائنات الموجودة في هذه العناوين الأربعة ، لأدركنا عظمة وسعة علم اللَّه . والنقطة الأخرى هي قوله سبحانه في نهاية الآية : « وَهُوَ مَعَكُمْ أيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصيرٌ » . فما أجمله وألطفه من تعبير ؟ إنّه تعالى يقول : إن كان الحديث في بداية الآية عن علم اللَّه بمختلف الموجودات الأرضية والسماوية فإنّ هذا لا يعني أبداً أن تعبدوهُ بعيداً عنكم ، فإنّه معكم أينما كنتم ، وهو يرى أعمالكم ، فإنّه لم يقل : « يعلم » بل قال : « بصير » وهذا دليل على الحضور والمشاهدة . واللطيف في هذه الآية هو الاستعانة بمسألة علم اللَّه لتربية الإنسان أيضاً . فمن جهة تقول - هذه الآية - للإنسان : إنّك لست وحيداً فهو تعالى معك أينما كنت ، فتمنح بذلك لروحه السكينة ، ولقلبه الصفاء ، ومن جهة أخرى تقول له : أنت بين يدي اللَّه والعالم كُله في قبضته فراقب أعمالك جيداً . وبهذا الترتيب تجعله دائماً بين الخوف والرجاء . ومن البديهي فإنّ هذه المعيّة لا تعني الحضور المكاني بل هي إشارة إلى إحاطة علم اللَّه بكل شيء . الخالق عليم بخلقه : جاءت الآية الثامنة باستدلال واضح ، ملموس لإثبات علم اللَّه المحيط بكل شيء وبجملة مختصرة وغنية جدّاً ، كما هو شأن القرآن الكريم - حيث قال تعالى : « أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطيفُ الخَبيرُ » « 1 » .
--> ( 1 ) يوجد احتمالان في معنى هذه الجملة في الآية الشريفة ، الأول : أن تكون ( من ) فاعل ل ( يعلم ) . والآخر : أن تكون ( من ) مفعولًا وفاعله ضمير مستتر يعود على ( اللَّه ) . ففي الصورة الأولى يكون معنى الآية هكذا : « هل أنّ الخالق لا يعلم ؟ » وفي الصورة الثانية يكون المعنى « هل أنّ خالق الكائنات لا يعلم بها » والنتيجة واحدة بالرغم من أنّ الأول أقرب .