الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
66
نفحات القرآن
وأخيراً فإنّ نور الشمس أفضل عامل على تلطيف البيئة والقضاء على مختلف أنواع الجراثيم الضارّة وإزالة الموانع عن طريق الحياة البشرية ، وبملاحظة هذه الخصائص التي يتّصف بها النور المحسوس يتّضح عمق تشبيه ذات اللَّه المقدّسة بالنور . نعم ، إنّ وجوده تعالى هو النور الذي يظهر الوجودات ويحفظها ، ومنه تنبع الحياة المعنوية والمادية ، ويصدر كلّ جمال في العالم ، وكلّ حركة نحو الكمال تنبع من وجوده المقدّس ، وكلّ هداية تتحقّق برعايته . وهو الذي يرفع الموانع عن طريق عباده ، وهو الهادي للإنسان في طريق الكمال والقرب لذاته ، وبكلمة واحدة كلّ ما في العالم قائم بذاته المقدّسة . وهناك سؤال يطرح نفسه وهو : هل النور الذي يُظهر الأشياء يحتاج إلى مظهر ؟ وهل الموجودات التي يُظهرها النور تكون أكثر ظهوراً من النور نفسه لتكون معرفة له ؟ وبتعبير أدق : ما هي الوسيلة التي يمكن مشاهدة النور بها غير النور نفسه ؟ وهذا هو الأساس في برهان الصدّيقين . وقد ذكر المفسّرون عدّة احتمالات في تفسير هذه الآية لا تنافي بينها ، نظير الموارد الكثيرة الأخرى ، ويمكن الجمع بينها ، أي أنّ كلّ مفسّر منهم لاحظ - في الحقيقة - الآية من زاوية معيّنة . وقد قال الكثير بأنّ جملة : « اللَّهُ نُورُ السَمَاواتِ وَالأَرض » تعني ( المنوّر للسماوات والأرض ) . وقد فسّرها البعض الآخر ب ( الهادي لمن في السماوات والأرض ) تبعاً للرواية التي وردت عن الإمام الرضا عليه السلام في هذا الشأن حيث قال : « هادٍ لأهل الأرض » أو « هادٍ لأهل السماوات وهادٍ لأهل الأرض » « 1 » . وفسّرها البعض الآخر بمعنى الطاهر المنزَّه من كلّ عيب في جميع السماوات والأرض . وفسرها آخرون بمعنى المُدبر لشؤون السماوات والأرض .
--> ( 1 ) تفسير البرهان ، ج 3 ، ص 133 ، ح 1 و 2 ؛ وتفسير نور الثقلين ، ج 3 ، ص 603 .