الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

65

نفحات القرآن

ومن البديهي أنّ الموجود المحدود يكون موضعه إمّا في البداية أو النهاية ، وإمّا في ظاهر الأشياء أو باطنها ، واتّصاف اللَّه سبحانه بأنّه الأوّل والآخر والظاهر والباطن هو لكونه وجوداً غير متناه ولا محدود . هو نور العالم : في الآية الخامسة والأخيرة نقرأ في جملة قصيرة وغزيرة المعنى : « اللَّهُ نُورُ السَماوَاتِ وَالأَرض » . ويعقّب هذه العبارة تشبيه جميل وجذّاب لهذا النور الإلهي يشكّل ميداناً واسعاً لبحوث المفسّرين الأعلام للقرآن ، وبما أنّ الشاهد في هذا البحث هو العبارة الأولى ، فإنّا نشرع بتبيانها وشرحها : من الطرق الهامّة في تفهيم الحقائق المعقّدة هو استعمال التشبيهات البليغة بغية تقريب الحقائق العلمية إلى الذهن بضرب الأمثلة الحسّية ، وهنا قد استفيد من هذه الطريقة ( وإن كانت الأمثلة بشأن اللَّه تعالى ناقصة لعدم وجود مثيل لذاته ) ولإدراك حقيقة هذا المثال لابدّ من التدبّر في معنى النور وصفاته وخصائصه وبركاته ، ولا ريب في أنّ النور من أجمل الموجودات المادية وألطفها وأكثرها بركة ، وتنتشر منه البركات والجمال في عالم المادّة . فنور الشمس منبع الحياة والسرّ في بقاء الموجودات الحيّة والعنصر الفاعل في نمو النبات والزهور وجميع الأحياء . النور هو المصدر الأساس للطاقات ، نظير حركة الرياح ، وهطول الأمطار ، والعنصر الأساس في وجود المحروقات ( البترول والفحم الحجري ) ولو تبدّل نور الشمس إلى ظلام فسوف تتوقّف كلّ حركة في العالم . والنور واسطة لمشاهدة الموجودات المختلفة والمظهر لها ، هذا وانّ حركة الأمواج والذرّات الضوئية هي أسرع الحركات المتصوّرة في عالم المادّة ، حيث تبلغ سرعتها ( 300 ألف كم ) في الثانية ، وهذا يعني أنّ النور في طرفه عين يدور حول الأرض سبع مرّات .