الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
64
نفحات القرآن
هو ( الأوّل ) أي هو الأزلي دون أن تكون له بداية ، وهو ( الآخر ) أي الأبدي الذي لا نهاية له ، وهو ( الظاهر ) أي البيّن دون أن يكون خافياً على أحد ، وهو ( الباطن ) أي أنّ ذاته ليست ظاهرة لأحد ( لعدم قدرة الموجودات المحدودة كالإنسان على إدراك الحقيقة اللامتناهية ) دون أن يكون محجوباً عن عباده . ولذا فانّه سبحانه عالم بكلّ شيء لأنّه موجود في البداية ، وسوف يبقى حتّى النهاية وحاضر في ظاهر العالم وباطنه . وهناك تفسيرات متعدّدة ذكرها المفسّرون في تفسير الصفات الأربع : ( الأوّل ) و ( الآخر ) و ( الظاهر ) و ( الباطن ) إلّاأنّها غير متنافية ويمكن جمعها في مفهوم الآية . فتارةً قالوا : إنّه الأوّل قبل وجود أي شيء وهو الآخر بعد هلاك كلّ شيء ، ودلائل وجوده ظاهرة ولا يمكن إدراك باطن ذاته . وتارةً قالوا : هو الأوّل ببرِّه حيث هدانا ، والآخر بعفوه حيث يقبل التوبة ، والظاهر بإحسانه وتوفيقه عند طاعته والباطن في ستر عيوب العباد عند المعصية ( الأوّل ببرّه إذ هداك والآخر بعفوه إذْ قبل توبتك ، والظاهر بإحسانه وتوفيقه إذا أطعته ، والباطن بستره إذا عصيته ) « 1 » وقد ورد أنّ النبي صلى الله عليه وآله كان يقول في دعائه : « اللهمّ أنت الأوّل فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء » « 2 » . على أيّة حال ، فإنّ الآية الكريمة أعلاه ، في عين إثباتها بطلان أفكار الصوفية في استقلالية الخالق عن المخلوق والمخلوق عن الخالق ، فإنّها تبيّن حقيقة وهي أنّ الذات الإلهيّة المقدّسة مطلقة ولا نهاية ولا حدود لها . أي هو وجود بلا عدم ، ولو أنّا تدبّرنا حقيقة الوجود جيّداً ونزهناه من العدم فسوف نصل إلى ذاته المقدّسة ، وهذا جوهر برهان الصدّيقين وروحه .
--> ( 1 ) راجع تفاسير مجمع البيان ؛ الميزان ؛ الكبير ؛ روح البيان . ( 2 ) تفسير القرطبي ، ج 9 ، ص 6406 .