الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
52
نفحات القرآن
في مجالات كثيرة وموضوعات مختلفة يتيقّن بأنّ لكلّ حادثة علّة وبهذا يكتشف قانون العلّية بشكله العادي البسيط ، وبتقدم عمره وبواسطة التجارب التي يمرّ بها سواء على صعيد الحياة الاعتيادية أو على صعيد العلوم والأفكار - سيدرك سعة هذا القانون وقوّته أكثر فأكثر ( كما يصل إلى هذا المبدأ وهو أنّ لكلّ حادثة علّة عن طريق الفلسفة ) . نحن لا نقول بأنّ تعاقب حادثين يعني العلّية بل نقول إنّ القضيّة لابدّ من تكرارها حتّى يتّضح وجود علاقة بينهما ، وأنّ الثاني تابع للأوّل . والظاهر أنّ القائلين : إنّ قانون العلّية خاضع للتجربة . يذهبون إلى أنّ الإنسان يتوصّل إلى الجذور والأصول عن طريق التجربة والحسّ ومن ثمّ يكتشف علاقة العلّية من خلال ( التحليل العقلي ) ، وهو في الحقيقة يتوصل إلى مقدّمة من خلال ( الحسّ ) وأخرى من خلال ( العقل ) وذلك لأنّ القوانين الكلّية توجد في العقل بصورة بديهية ، ودور الحسّ هو إدراك الموضوعات المتفرقة ثمّ يقوم العقل بجمعها فيتوصّل إلى النتائج . ويتصوّر البعض أنّ مبدأ العلّية - هو عبارة عن علم حصولي - يستحصل من العلم الحضوري ( النفس ) بالنسبة إلى ( أفعال النفس ) . وفي توضيح كلامهم هذا يقولون أنّ الروح الإنسانية تحسّ بأمور في أعماقها تابعة لها وقائمة بها كالتصوّر والأفكار والإرادات والقرارات . . هذه كلّها أفعال الروح الإنسانية ومعلولة لها ، ومن خلال العلاقة بين هذه الأفعال والروح يمكن أن نكتشف قانون العلّية ، ثمّ يستندون في ذلك إلى قول لابن سينا حيث يقول : « فإنّا ما لم نثبت وجود الأسباب لمسبّبات من الأمور بإثبات أنّ لوجودها تعلّقاً بما يتقدّمها في الوجود ، لم يلزم عند العقل وجود السبب المطلق ، وأنّ ههنا سبباً ما ، وأمّا الحسّ فلا يؤدّي إلّاإلى الموافاة وليس إذا توافى شيئان وجب أن يكون أحدهما سبباً للآخر . . . « 1 » . ولا شكّ في أنّ هذا خطأ كبير ومن المستبعد أن يقصد ابن سينا هذا المعنى لأنّ هذه التحليلات بشأن الروح وأفعالها هي من اختصاص الفلاسفة لا عموم الناس ، في حين أنّ
--> ( 1 ) الشفاء ، الفصل 1 ، مقالة الإلهيات الأولى ، ص 8 .