الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
53
نفحات القرآن
عامّة الناس يعرفون قانون العلّية حتّى الأطفال منهم ، ولا شكّ في أنّ ذلك حصل لهم من خلال التجارب الخارجية والحسّية كما أسلفنا ، غير أنّ العقل ما لم يحلّل هذه التجارب وما لم يجعل من القضايا الجزئية أمراً عامّاً ، فنحن لا ندرك ( قانون العلّية ) ، وعليه فإنّ الأساس في معرفة هذا القانون هو التجربة إضافة إلى العقل ، ولعلّ ابن سينا يقصد ذلك ولا يمكن قبول غيره ، بَيدَ أنّا لا ننكر أنّ الفلاسفة والعلماء يسهل عليهم معرفة العلّية من خلال الأفعال النفسية كما يمكن ذلك عن طريق الحسّ . كما أنّ ثمّة طريق استدلال واضح يوصل إلى هذا الأمر ، وهو أنّنا لو أنكرنا قانون العلّية وجب أن لا يكون شيء شرطاً لشيء ، وسوف ينشأ كلّ شيء من أي شيء ، بل يجب رفض مناهج الاستدلالات العقلية أيضاً ، وللوصول إلى نتيجة منطقية - مثلًا - يجب أن لا نستفيد من أدلّة خاصّة ، بل إنّنا نصل من كلّ مقدّمة إلى أيّة نتيجة نتوخّاها ، وهذا ما لا يتقبّله أي عاقل قطعاً . ينبغي إذن أن نذعن بعلاقة العلّية في الخارج وفي الأمور العقلية . 4 - أقسام العلّة العلّة لها مفهوم واسع وأقسام عديدة : العلّة التامّة وتعني أنّ الشيء إذا وجد فإنّ معلوله سوف يوجد مباشرة . والعلّة الناقصة وتعني أنّ الشيء يحتاج - في وصوله إلى المعلول - انضمام أمور أخرى ، كما تقسّم العلّة إلى ( العلّة الفاعلية ) و ( الغائية ) و ( المادّية ) و ( الصورية ) وهذه تقسيمات مشهورة يمكن إيضاحها بمثال بسيط : لو لاحظنا ملابسنا التي نرتديها لوجدناها لكي توجد يجب توفّر المادّة ( كالقطن والصوف ) ثمّ تحويلها إلى قماش مناسب ثمّ تباشرها يد الخيّاط لخياطتها ، ومن الأكيد أنّ الخيّاط يصنع اللباس لهدف خاصّ وهو الانتفاع منه . تعتبر المادّة الأصلية هي ( العلّة المادّية ) والصورة التي أعطيت لها هي ( العلّة الصورية )