الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
278
نفحات القرآن
ولكنّا نعلم أنّ نزول الآيات في موارد خاصّة لا يحدّد مفاهيمها الكلّية بتلك الموارد ، وعليه فإنّ الآيات هذه تشمل جميع الذين يحكمون بغير ما أنزل اللَّه . إنَّ صدق الظلم والفسق فيمن يرتكب هذه المعصية واضح ولكن الحكم بالكفر يكون في حالة الردّ لحكم اللَّه والاعتقاد ببطلانه ، لأنّ ذلك أمّا اعتقاد يلازمه إنكار الذات المقدّسة أو علمه وحكمته وعدله ، وهذا يستوجب الكفر قطعاً ، وهكذا إذا رجع إنكار هذا الحكم إلى إنكار القرآن أو رسالة نبي الإسلام صلى الله عليه وآله . ولكنّه إذا حكم بغير ما أنزل اللَّه فقط وكان المنشأ فيه هوى النفس مثلًا لا إنكار التوحيد أو النبوّة فانّه لا يستوجب الكفر . وقد ورد في قوله تعالى : « فَاحْكُمْ بَينَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ » . ( المائدة / 48 ) وقوله تعالى : « وَأَنِ احْكُمْ بَينَهُم بِما أَنْزَلَ اللَّهُ » . ( المائدة / 49 ) وقوله تعالى : « أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ » . ( المائدة / 50 ) إنّ الآيات الستّ هذه تؤكّد على هذا المعنى وهو ( الحكم حكم اللَّه فقط ) . إنّ هذه التعابير المختلفة وهذا التأكيد المثالي الذي ورد في هذه الآيات الستّ في سورة واحدة وبصورة متقاربة لدليل على هذه الحقيقة وهي أنّه لا يحقّ التشريع لأيمقام إلّااللَّه ، وكلّ من يفتي أو يقضي أو يحكم على خلاف حكم اللَّه فانّه يقترف إثماً عظيماً وظلماً وينزع عنه ثوب الإيمان أيضاً . بهذه يثبت توحيد الحاكمية التشريعية وحصر التشريع في ذات اللَّه المقدّسة وحصر الحكم في حكم اللَّه . الآية الخامسة تتحدّث عن مقام القضاء وتعتبره من مختصّات رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ( الذين ينصبون من قبله أئمّة بالمعنى المطلق أو في خصوص القضاء ) وتقول : « فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيَما شَجَرَ بَينَهمْ ثُمَّ لَايَجِدُوا فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً » .