الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

221

نفحات القرآن

الخطوط المنحرفة بينهما ، فخطّ التوحيد واحد وكلّ ما سواه فهو شرك وعبادة أصنام . ( مستقيم ) من ( الإستقامة ) ومشتقّة في الأصل من ( القيام ) ، وبما أنّ الإنسان يقف مستوياً في قيامه فإنّ هذه الكلمة استعملت بمعنى كلّ طريق ومنهج معتدل ومستوٍ وخالٍ من الانحراف . والملاحظ أنّ القرآن وفي سورة الحمد قد جعل النقطة المقابلة للصراط المستقيم هو طريق المغضوب عليهم و ( الضالّين ) ، والطائفة الأولى هم الضالّون من أهل العناد واللجاجة والذين يصرّون على مسيرتهم ومسيرة غيرهم المنحرفة ، والطائفة الثانية هم الضالّون البسطاء . إن عجزتم عن عبادة اللَّه فهاجروا : نواجه في الآية التاسعة نقطة جديدة حيث يتوجّه الأمر إلى المؤمنين ، وذلك عندما يكون البقاء في مكان - حتّى أوطانهم الخاصّة - مانعاً من عبادة اللَّه ومزعزعاً لتوحيد عبادته فعليهم أن يهجروا ذلك المكان تقول الآية : « يَاعِبادِىَ الَّذينَ آمَنُوا انَّ ارضِى وَاسِعةٌ فَإِيّاىَ فَاعبُدُونِ » . أجل ، أنّ أرض اللَّه واسعة ولا يمكن أبداً الإذعان لذلّ الشرك وأسر الكفر وعبادة الأصنام من أجل أمور من قبيل القوم والقبيلة والبيت والوطن الحبيب ، بل إنّ واجب كلّ مؤمن موحّد هو أن يهجَر وطنه في مثل هذه الظروف ويحلّ في وطن مناسب ويُبقي شمعة التوحيد مضيئة في روحة ، وقد يُوفَّق - كالمهاجرين في صدر الإسلام - لإعداد القوّة اللازمة ويرجع إلى وطنه ويزيل آثار الشرك وعبادة الأصنام من ربوعه . والتعبير ب ( يا عبادي ) ، و ( أرضي ) ، و ( إيّاي فاعبدون ) في الآية مقرون بالرحمة واللطف الإلهي وإشارة إلى نصره المستمر للموحّدين أينما كانوا وفي كلّ زمان « 1 » . والملاحظ أنّ المخاطب في الآية هم ( العباد ) ، ومع ذلك فالآية تأمرهم بعبادة اللَّه الواحد ،

--> ( 1 ) لاحظوا أن « إيّاي فاعبدون » بسبب تقدّم المفعول على الفعل تدلّ على الحصر وتبيّن انحصار العبادة في اللَّه .