الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
222
نفحات القرآن
وفي ذلك إشارة إلى أنّ العباد ينبغي أن يواصلوا مسيرة التوحيد إلى آخر العمر ولا ينحرفوا لحظة واحدة ، وهذا نظير تكرار الجملة : « اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ » ، لدى المؤمنين ، حيث يطلبون فيها استمرار هذه النعمة إلى جانب الهداية ، على أيّة حال ، فإنّ الآية دليل على وجوب الهجرة من أرض الشرك وعبادة الأصنام إلى دار الإيمان ، إلّاأن يُوفَّق الإنسان لتغيير الأوضاع السائدة على تلك الأرض . آية البحث هي من آيات سورة العنكبوت التي يقول عنها المفسّرون : إنّ الآيات الإحدى عشرة الأولى منها نزلت في المدينة بصدد الذين كانوا في مكّة وأظهروا الإسلام ولكنّهم لم يعزموا على الهجرة إلى المدينة ، والآية التي بعدها تقول : « كُلُّ نَفسٍ ذَائقَةُ المَوْتِ » وفيها إشارة إلى هذا المعنى وهو أنّ الجميع سيموتون وينفصلون عن الوطن والزوج والمال ، فلا تظنّوا أنّكم إن بقيتم في أجواء ملوّثة بالشرك فإنّكم سوف تبقون إلى جنب أحبّائكم أبداً « 1 » . وتستند الآية العاشرة إلى نقطة جديدة أخرى في هذا المجال ، وتعد المؤمنين جميعاً بأنّهم سيكونون مالكين وحكّاماً للأرض كلّها ، كما أنّ التوحيد سينتشر في العالم بأسره وسوف لن يعبد إلّااللَّه ، وعلى هذا فإنّها تبشّر بتوحيد العبادة الخالصة كبشارة كبرى لكلّ المؤمنين وتقول : « وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبلِهِم » ، وهناك بحث بين المفسّرين في تحديد ماهيّة هذه الطائفة التي ورثت الأرض وعاشت في عصور قديمة ، والمناسب أن يقال : إنّها إشارة إلى بني إسرائيل الذين أصبحوا ملوكاً وحكّاماً على مساحة واسعة من الأرض بعد نهضة موسى عليه السلام وانهيار حكومة الفراعنة ، وكما يقول القرآن الكريم في قوله تعالى : « واورَثْنَا القَومَ الَّذِينَ كَانُوا يُستَضعَفُونَ مَشَارِقَ الارضِ ومَغارِبَها الَّتِى بَارَكنَا فِيهَا » « 2 » . ( الأعراف / 137 )
--> ( 1 ) راجع تفسير روح البيان ؛ وروح المعاني ؛ والقرطبي في ذيل آية البحث . ( 2 ) هناك بحث مفصّل آخر في هذا المجال قد ورد في تفسير الأمثل ، ذيل الآية 55 من سورة النور ، تحت عنوان الحكومة العالمية للمستضعفين وكان لها نموذج صغير بعد فتح مكّة والإنتصارات الواسعة بعد النبي صلى الله عليه وآله والنموذج الأتمّ والكامل سيتحقّق عند قيام الإمام المهدي ( عج ) .